قصر الزعفران فرساي مصر هدية الخديوي إسماعيل للوالدة باشا خوشيار هانم

كتب : أحمد تيمور 

قصر الزعفران لم يكن مجرد واحد من القصور الفاخرة التي بنتها أسرة محمد علي باشا في مختلف أنحاء القاهرة في القرنين الماضيين، فقد شهد القصر العديد من الأحداث التاريخية الساخنة التي مرت على مصر خلال تلك الفترة، مثل دخول الإنجليز إلى البلاد، وتوقيع معاهدة عام 1936 الشهيرة، وما زالت المنضدة التي تم توقيع تلك المعاهدة عليها موجودة في مكانها بصالون القاعة الرئيسية وحولها طاقم من الكراسي المذهبة ويتبع القصر الآن جامعة عين شمس، وقد انتقلت إليه إدارة الجامعة منذ سنوات بعيدة.

14725502_1374272815938713_1987844490158300742_n

بني قصر الزعفران في عهد الخديوي اسماعيل على انقاض (قصر الحصوة) الذي بناه محمد علي باشا وكان يتألف من خمس بنايات, وقد سمي بالحصوة نسبة الى منطقة العباسية التي كانت بهذا الاسم, حتى اصدر عباس باشا الاول عام 1851 امرآ  بالغاء الحصوة وتعمير المنطقة ليصبح اسمها العباسية نسبة اليه وفي عام 1864 اشترى الخديوي اسماعيل قصر الحصوة بمبلغ 250,000 قرش أي ما يساوي 2500 جنيهاً, وأعاد بنائه ليكون قصراً واحداً على هيئته الحالية, وعهد الخديوي الى وكيل وزارة الاوقاف أنذاك المهندس مغربي بك والاشراف على بنائه, حيث كان ضمن البعثة الهندسية التي اوفدها الخديوي الى فرنسا, ومن الظريف انه جد الدكتور سعد مغربي الاستاذ الاسبق باكاديمية الشرطة.

 

وقد بني القصر على غرار قصر فرساي بفرنسا الذي قضى فيه الخديوي اسماعيل فترة تعليمه, وقد طلب الخديوي نقش الاحرف الاولى من اسمه وتاجه الخاص على بوابة القصر الحيحية ومداخل القاعات والغرف, ومازالت النقوش موجودة حتى الآن.

وفي عام 1872 أهدى اسماعيل القصر لوالدته المريضة السيدة خوشيار هانم (صاحبة الفضل في بناء مسجد الرفاعي الموجود امام مدرسة السلطان حسن في حي القلعة) كنوع من الاستشفاء حيث نصحها الاطباء بالهواء النقي لذا بني القصر وسط حديقة مزروعة جميعها بنباتات الزعفران ذو الرائحة الذكية فكان هذا سبب تسمية القصر وبعد ذلك بأربع سنوات أي عام 1876 خصص القصر لاستقبال مصطفى باشا فاضل شقيق الخديوي إسماعيل.

1384236_627049487317889_1522400441_n
الوالدة باشا خوشيار هانم

وظل القصر مجرد مكان لسكني بعض افراد اسرة محمد علي غير أن الاحداث جعلته جزءاً من تاريخ مصر, ففي عام 1882 وبعد هزيمة عرابي, ووصول طلائع الجيش الانجليزي الى القاهرة طلب الخديوي توفيق من جدته خوشيار هانم إخلاء القصر لاقامة الضباط الانجليز, ولكنهم اقاموا بالاستيلاء على القصر وطردوا من يعمل به من خدم خوشيار هانم, وبدلاً من أن يقيموا عدة اشهر حيث كان مقرراً لهم طالت إقامتهم وامتدت حتى بلغت خمس سنوات.

وكان استعمال هؤلاء الضباط للقصر غاية في السوء فلم يحافظوا على نقوشه وابوابه وخربوا غرفه تماماً, وما أن اخلوه حتى طلب الامير حسين كامل سلطان مصر فيما بعد من القائد الانجليزي أن يدفع تعويضاً عن مدة إقامتهم بالقصر خمسون جنيهاً عن كل شهر ولكن لا توجد وثائق تؤكد أن الانجليز دفعوا مثل هذا التعويض.

وفي عام 1908 قررت وزارة المعارف إنشاء مدرسة ثانوية يطلق عليها اسم ملك مصر فوقع اختيارها على قصر الزعفران ليكون مقراً للمدرسة وسميت مدرسة فؤاد الاول وزارها ملك مصر في ديسمبر عاد 1922 وانشد حافظ ابراهيم وقتها قصيدة مطلعها.

أقصر الزعفران لأنت القصر.
خليق أن يتهدى على النجوم
كلا يهديك للأجيال فخر.
وزهور للحديث وللقديم
ترى بالامس فيك علا.
ومجد وانت اليوم مثوى للعلوم

ونعود سوياً إلى قصر الزعفران لنستكمل القصة ففي عام 1952 نقلت مدرسة فؤاد الاول إلى المبنى المخصص بالعباسية فحلت محلها إدارة الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن), وقد شغلت إدارة الجامعة وكلية الآداب القصر حيث كان مكتب مدير الجامعة أحمد لطفي باشا السيد في الدور الاول, والدور الثاني مقراً لكلية الآداب, أما كلية العلوم فقد شغلت الملحقات الملحقات والمساكن الحاشية بعد ادخال التعديلات اللازمة وظلت الجامعة المصرية بالقصر حتى تم بناء كليات الجامعة المصرية وانتقلت تدريجياً الى المقر الجديد بالجيزة.

تركت إدارة الجامعة القصر لوزارة الخارجية التي اشترته وجعلته داراً للضيافة واستقبال زوار مصر من الملوك والامراء الاجانب. ومن اهم ذكريات القصر التاريخية توقيع معاهدة ١٩٣٦ حيث نجد أن زعيم الامة المصرية مصطفى النحاس تفاوض مع المندوب السامي البريطاني مايلزلامبسون لورد كيلرن في ردهات القصر, وتم توقيع الأحرف الاولى بين لامبسون والنحاس وقادة الاحزاب على المعاهدة.

ومازالت المنضدة التي تم التوقيع عليها موجودة في مكانها, بصالون القاعة الرئيسية, وحولها طاقم من الكراسي المذهبة وعمرها الآن حوالي 120 سنة وتعرف معاهدة 1936 في المراجع والوثائق الانجليزية إلى اليوم بإسم معاهدة الزعفران نسبة الى القصر.

وفي اوائل عام 1952 تقرر أن يكون القصر مقراً لجامعة ” ابراهيم باشا ”  وكلية الحقوق التابعة لها, وأخلته وزارة الخارجية ونقلت كل ما به من أثاث إلا أنها أخطرت لترك الستائر والثريات الثمينة التي خشى المسئولون أن تتلف أو لا تصلح للاستعمال بعد فكها وشغلت كلية الحقوق الطابق الأول, بينما شغلت إدارة الجامعة الطابقين الثاني والثالث, ثم انشئت كلية العلوم وتبعها مباني الكليات الأخرى الحقوق والآداب, وملحق إدارة الجامعة وغيرها من المباني الجامعية, وذلك في المساحة المحيطة بالقصر من كل انحاء وفي 29 ديسمبر عام 1985 تم تسجيل قصر الزعفران ضمن الآثار الإسلامية باعتباره أثراً تاريخياً شهد وقائع تاريخ مصر الحديث والمعاصر.

BWuv1QeIgAARNqq

للقصر حالياً أربع واجهات، ويتألف من طابقين فوق الأرض وطابق تحت الأرض كان مخصصاً لإقامة الخدم ولمرافق القصر كالمطابخ والمغاسل ويفتح على القصر خمسة مداخل اثنان رئيسيان هما المدخل الشمالي والمدخل الجنوبي واثنان فرعيان أحدهما بالركن الشمالي الغربي والثاني بالركن الجنوبي الشرقي بالاضافة الى مدخل في الواجهة الشرقية يؤدي الى البدروم. والواجهة الرئيسية لقصر الزعفران هي الواجهة الشمالية التي تماثل نظيرتها الجنوبية وتتكون من كتلة وسطى بارزة عن الواجهة على جانبيها نشاهد قسمين مرتدين ويتوسط القسم الأول للواجهة فتحة مدخل رئيسية ويتقدم المدخل الشمالي للقصر ”شرفة طائرة” محمولة على دعامتين وبها عامودان وفصوص مدمجة على جانبي المدخل. والواجهتان الشرقية والغربية متماثلتان وبهما نوافذ عوضاً عن الشرفات. ويحتفظ قصر الزعفران ببوابته القديمة التي تغلق على فتحة المدخل الشمالي الرئيسي وهي من مصراعين من الحديد المشغول المغشى بالزجاج الملون المعشق في الرصاص، وتفضي البوابة الى ردهة مستعرضة بها فتحة باب أخرى تؤدي الى داخل القصر.

daily2.718297

ويتكون قصر الزعفران من مجموعة من الحجرات والقاعات الموزعة على طوابقه الثلاثة وبالطابق الأول فوق البدروم بهو رئيسي يمتد من الشمال الى الجنوب به عدة أعمدة وفصوص ذات تيجان حاملة للسقف ويتصدره من الجهة الجنوبية سلم بفرعين خلفه صالة صغيرة تفتح عليها فتحة الباب الجنوبية للقصر وعلى يمين ويسار البهو الرئيسي قاعة للاستقبال وقاعة للمائدة، وفي أقصى الركن الجنوبي الشرقي يوجد المصعد الكهربي وبعض الحجرات الصغيرة المستخدمة الآن كمكاتب لادارة جامعة عين شمس.

13669795_1138067156253225_8660975625515423331_n

 

أما الطابق الثاني فيتكون من بهو رئيسي به ايضاً عدة أعمدة ذات تيجان تعلو أعمدة الطابق الأول، وبهذا الطابق ثماني غرف كبيرة كانت مخصصة للنوم، بالاضافة الى حمام به باب يفتح على سطح الشرفة التي تتقدم المدخل الشمالي للقصر. ويغطي القصر سقف مسطح، وأرضيته مسطحة ومغطاة بخشب الباركيه بما يشبه أرقام 7 و8 والقصر في مجمله غني بالوحدات الزخرفية المكونة من الجص المصبوب المذهب والزجاج الملون المعشق بالرصاص.

المصادر : قصور ملكية بحث لمحمد رشاد – موقع جامعة عين شمس – أرشيف الشرق الأوسط –

 

رأيك يهمنا لذلك اترك تعليق

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله