وفاة البروفيسير المصري محمود بسيوني الأب الروحي للقضاة والمحامين في العالم

توفي  د.محمود شريف بسيوني أستاذ القانون بجامعة دي بول بشيكاجو بالولايات المتحدة والرئيس الفخري لمعهد القانون الدولي لحقوق الانسان بجامعة دي بول ومعهد سيراكوزا بايطاليا والجمعية الدولية  للقانون الجنائي.

محمود شريف بسيوني (و. 1937 – 25 سبتمبر 2017)، هو أستاذ مصري باحث بارز في القانون الفخري في جامعة ده پول كلية القانون، جامعة شيكاگو منذ 1964 والرئيس الفخري للجامعة الدولية لحقوق الإنسان معهد القانون 1990 – 2006، وهو خبير الأمم المتحدة بجرائم الحرب، وكان هو أيضا رئيس المعهد الدولي للدراسات العليا في العلوم الجنائية، والرئيس الفخري للجمعية الدولية لقانون العقوبات، وحصل على جائزة لاهاي للقانون الدولي لمساهمته المتميزة في مجال القانون الدولي.
 

النشأة والتعليم

 
وُلد في القاهرة، وكان والده سفيراً في السلك الدبلوماسي المصري، جده لأبيه هو مصطفى بسيوني باشا، رئيس مجلس الشيوخ المصري في عام 1937، والنائب عن أسيوط، الذي يحمل أحد شوارع وسط البلد اسمه، وكان رئيساً لأول مجلس للشيوخ، وشارك في تحرير دستور 1923، وكان قائداً لثورة 1919 في منطقة الصعيد، وحوكم أمام محكمة عسكرية، وحكم عليه بالإعدام لدوره في هذه الثورة. كان جده لا يتماشى مع الإنگليز، كما كان صعب المراس مع السرايا، وكان يتطلع مبكراً لنظام جمهورى، ورغم أنه لم يكن ملكياً لكنه أصبح رئيساً لمجلس الشيوخ حتى توفى سنة 1948.
 
أما جده من ناحية الأم، أحمد خطاب، فكان محامي القصر الملكي، ولما حدثت المواجهة بين الخديو وعرابي كان جده يتحرك سراً لجمع التمويل والمساعدات لدعم عرابي، وشارك معه في معركة التل الكبير. ونشأ شريف بسيوني على هذه الروح الثورية الوطنية، ولأن والده كان دائم السفر بسبب العمل الدبلوماسي أُلحق بالقسم الداخلي بمدرسة الجزويت،
 

العمل الفدائي

 
حصل على البكالوريا بالفرنسية، ومنحته الحكومة الفرنسية بعثة لدراسة الحقوق، فسافر إلى فرنسا عام 1955، وفور اندلاع حرب 1956، سارع بالعودة وانخرط في صفوف الفدائيين ضمن الحرس الوطني، وكان ضمن خريجي أول فرقة التي سميت بعد ذلك الصاعقة.
 
وكان ضمن وحدة الحرس الوطني التى تمركزت في الكيلو 12 خارج بورسعيد. كان قوام الفرقة 70 فرداً استشهد منهم حوالي 56 في المواجهة مع العدو، وأصيب في الحرب وحصل على نوط الجدارة العسكرية، وأسند له اللواء أحمد فؤاد تدريب الفرقة الجزائرية، التي جاءت للمشاركة في الحرب لإجادته الفرنسية. وبعد انتهاء المعركة عاد إلى فرنسا لاستكمال الدراسة، لكن سرعان ما تم إلقاء القبض عله لنشاطه وسط الطلاب الجزائريين.
 
في هذه الأثناء كان والده سفيراً في الهند، واتصل بنهرو لحل المشكلة، وكانت علاقته به حسنة، واتصل نهرو بأمين عام الأمم المتحدة حينذاك، داج همرشولد، الذي اتصل بدوره بوزير خارجية فرنسا، فأفرج عنى بعد أربعة أيام، وطرد شريف بسيوني إلى سويسرا ثم عدت إلى مصر.
 

العمل في حقوق الإنسان

 
علم عقب عودته إلى مصر عام 1957 أنه مرشح للعمل في رئاسة الجمهورية، ولكي يختبروا قدرته على العمل في الرئاسة أخضعوه لاختبار غريب وقاس، إذ عرضوا عليه صورة فوتوغرافية لأحد المعتقلين من جماعة الإخوان المسلمين، طوقت جمجمته بطوق حديد أدى إلى انفجار الجمجمة. بعد هذه الواقعة بأيام دعيت لاجتماع برئاسة كمال الدين حسين، نائب رئيس الجمهورية آنذاك، الذي كان قائداً لمنطقة السويس وقت الحرب،
 
وحدثه قبل بداية الاجتماع – عن الصورة التى عرضوها عليه، وقال له إنه يعتقد أن الرئيس عبد الناصر لا يعرف بهذا ولا يوافق عليه، وفوجئ بتدخل الضابط أحمد أنور، وكان أحد ضباط الحرس، الذى قال له بصوت غاضب «اخرس»، فانفجر فيه بسيوني، وقُبض عليه ووُضع في غرفة حتى يتقرر مصيره.
 
وحددت إقامته في شقته بجاردن سيتي، سمروا النوافذ وقطعوا التليفون والراديو، وعرف مبكراً معنى تقييد الحرية، كان عمره وقتها 21 عام. مارسوا معه كل أنواع التهديد، أول أسبوع كانت يتجول في الشقة، وفي الأسبوع الثالث بقى في السرير، ومكث على هذه الحالة 7 شهور، صادروا خلالها أملاكه وأملاك والده ووالدته. وعندما أنهوا تحديد إقامته كان بلا عمل وبلا جواز سفر وخاضعاً للمراقبة، ورغم ذلك التحق بكلية حقوق، جامعة القاهرة وتخرج فيها وعمل في القطاع الخاص وبقى في مصر حتى عام 1962، ثم لحقت بوالدته، التي كانت سافرت إلى أمريكا للعلاج من السرطان، وبقى إلى جوارها حتى توفيت. وفي عام 1977 عُين هناك ضمن لجنة خبراء لوضع مشروع اتفاقية دولية لمنع التعذيب، وكان أحد نواب رئيس اللجنة وحرر نصوص الاتفاقية.
 
إلى جانب تلك التجربة عرف أيضاً الحرب مبكراً عام 1956 وكان سنه وقتها 19 سنة، وعايش حروباً كثيرة بعد ذلك وعرف الأحاسيس التى يشعر بها من قدر عليهم المرور بتجربة الحرب.
محمود-شريف-بسيوني
 

عمله في الجنائية الدولية

 
في عام 1922 كان أستاذاً في الجامعة، وكان يعمل مع الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، وعينه مجلس الأمن رئيساً للجنة تقصى الحقائق في جرائم الحرب التي جرت في يوغسلافيا السابقة، ولمدة عامين قام بجمع الأدلة التى دفعت مجلس الأمن إلى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بجرائم الحرب اليوغسلافية، وكان أول من حقق عبر التاريخ في جرائم الاغتصاب أثناء الحرب، وكشف عن أكثر من 4200 حالة اغتصاب. قامت اللجنة بجمع أدلة هائلة واكتشاف 151 مقبرة جماعية و200 ألف قتيل وأثبتت سياسة التطهير العرقى هناك. لم تكن إنجلترا وفرنسا متحمستين للجنة تقصى الحقائق ولا للمحكمة الدولية، لأنهما كانتا تتفاوضان بشكل منفرد مع صربيا وكرواتيا على السلام، ربما لأن الدولتين لا تريدان تعريض قواتهما في قوات حفظ السلام هناك للخطر (30 ألف جندى من إنجلترا وفرنسا) والضحايا كانوا من البوسنة والهرسك. والتقرير الذى كتبته بخصوص تلك الانتهاكات هناك كان أكبر تقرير في تاريخ مجلس الأمن، 3500 صفحة ومرفق به 72 ألف وثيقة و3 آلاف صورة و300 ساعة فيديو، وكان هو الأساس الذى قامت عليه المحكمة.
 
وعلى غرار النظام الأساسى لمحكمة يوغسلافيا كوّن مجلس الأمن محكمة خاصة لجرائم الحرب في رواندا عام 1994، بعد ذلك اتجهت الجمعية العام للأمم المتحدة لإنشاء محكمة جنائية دولية، ورشحته مصر للجنة التحضيرية لإنشاء المحكمة، وانتخب رئيساً لهذه اللجنة، وتوقفت اللجنة بعد سنتين، وتكونت لجنة أخرى مثلت مصر فيها وانتخب نائباً لرئاستها، وعندما انعقد المؤتمر الدبلوماسى لوضع النظام الأساسى انتخب بالإجماع رئيساً للجنة الصياغة للاتفاقية الدولية للمحكمة.
22007948_1108601595941457_8442310556764476126_n
 
ولم تنضم مصر لهذه اللجنة لأن كان هناك اعتراض من وزارة الداخلية خوفاً من كشف عمليات التعذيب، ومن جهة سيادية أخرى خوفاً من القيود التى كانت موجودة في تعريف جرائم الحرب، وبعد الانتهاء من تحرير الاتفاقية تكونت لجنة في مصر عام 1998 بعضوية مندوبين من الوزارات المختلفة، وكان للوزارات السيادية بعض الاعتراضات،
 
وحاول بسيوني إقناع الرئيس السابق مبارك، وبعض المسؤولين في الوزارات المختلفة، لكن الأمريكان ضغطوا على مصر حتى لا تنضم للاتفاقية وقبل مبارك هذا الضغط، ثم ضغط الأمريكان لتوقيع اتفاقات ثنائية بعدم تسليم مجرمى الحرب للمحكمة الجنائية الدولية، ووقع حسنى مبارك على اتفاقية سرية بين مصر وأمريكا في هذا الشأن.
 
وكان بسيوني الخبير المستقل للجنة حقوق الإنسان عن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان في الفترة من 2004 – 2006، والخبير المستقل للجنة حقوق الإنسان للحق في التعويض، والرد على إعادة التأهيل لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية من 1998 – 2000، كما تقلد رئاسة لجنة الصياغة للمؤتمر الدبلوماسي المعني بإنشاء محكمة جنائية دولية في عام 1998، وكان نائبا لرئيس الجمعية العامة المخصصة واللجان التحضيرية المعنية بإنشاء محكمة جنائية دولية في عام 1995، وكذلك رئيس لجنة مجلس الأمن المعنية بالتحقيق في الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي في يوغوسلافيا السابقة (1993) ومستشار الأمم المتحدة إلى المؤتمرين السادس والسابع لمنع الجريمة 1980 – 1985 وأيضا مستشار لدى لجنة الجنوب الأفريقي لحقوق الإنسان في الفترة من 1980 – 1981، كما عمل بسيوني أيضا مستشار وزارة الخارجية والعدل في مشاريع تتعلق الاتجار الدولي في المخدرات (1973) ومكافحة الإرهاب الدولي (1975 و1978 – 1979). وعمل كذلك مستشارا لوزارة الخارجية بشأن الرهائن الأمريكيين في إيران 1979 – 1980.
 
وفي يوليو 2011 كان على رأس اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق التي شكلها حمد بن عيسى آل خليفة ملك البحرين وضمت نخبة من الحقوقيين المعروفين وهم القاضي الكندي الدولي فيليب كيرش الذي كان عضوا في المحكمة الجنائية الدولية والبريطاني السير نايجل رودلي العضو في لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وماهنوش ارسنجاني وبدرية العوضي. والكويتية بدرية العوضي.
22140938_128803271104470_20397396180118442_n

جوائر حصدها الفقيه :

ومن ضمن الجوائز والأوسمة والأنواط التي حصل عليها البروفيسور محمود شريف بسيوني:
الجائزة الخاصة لمجلس أوروبا (1990)
جائزة المدافع عن الديمقراطية من منظمة “برلمانيون من أجل العمل العالمي” (1998)
جائزة أدلاي ستيفنسون من رابطة الأمم المتحدة (1993)
جائزة سانت فنسنت دي بول الإنسانية من جامعة دي بول (2000)
جائزة لاهاي للقانون الدولي (2007)
وسام الاستحقاق من إيطاليا (رتبة فارس الصليب الأعظم) (2006)
وسام التميز الأكاديمي من جمهورية فرنسا (رتبة قائد) (2006)
وسام الاستحقاق (رتبة الصليب الأعظم) من جمهورية ألمانيا الفيدرالية (2003)
وسام جوقة الشرف (رتبة ضابط) من فرنسا (2003)
وسام لنكولن من إلينوي في الولايات المتحدة الأمريكية (2001)
وسام الاستحقاق من النمسا (رتبة الصليب الأعظم) (1990)
وسام الاستحقاق العلمي (من الدرجة الأولى) من مصر (1984)
وسام الاستحقاق لجمهورية إيطاليا (رتبة الضابط الأعظم) (1977)
وسام الاستحقاق من جمهورية إيطاليا (رتبة قائد) (1976)
نوط الواجب العسكري من مصر (1956).

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله