محطات في حياة طلعت حرب أبو الاقتصاد المصرى

ولد محمد طلعت بن حسن محمد حرب في العام ١٨٦٧ بقصر الشوق بحي الجمالية و الده حسن بك محمد حرب من قرية ميت أبو علي في محافظة الشرقية، كان يعمل موظفاً في هيئة السكك الحديد ثم تخرج في مدرسة الحقوق الخديوية عام ١٨٨٩ و كان من رفاقه في المدرسة مصطفي كامل و محمد فريد اوعمل مترجماً بقلم قضايا الدائرة السنية في العام ١٨٨٨ ثم مديراً لمكتب حل النزاعات عام ١٩٠١و حتي ١٩٠٥ وحصل علي رتبة البكوية ثم عمل مديراً لشركة كوم إمبو بمركزها الرئيسي بالقاهرة ثم مديراً للشركة العقارية المصرية والتي عمل على تمصيرها حتى أصبحت غالبية أسهمها للمصريين.

تزوج طلعت حرب في بداية شبابه ولكن توفيت زوجته في سن مبكرة ولم يتزوج بعدها وله ابن واحد (حسن) توفى في مطلع شبابه و أربع بنات فاطمة وعائشة وخديجة و هدى أما أحفاده وحفيداته فقد عملوا في شتى المجالات من أبرزهم : السفير جلال عزت الذي كان سفيرا لمصر في الفاتيكان وهولندا.

في عام ١٩١٠ تقدمت شركة القنال بطلب للحكومة المصرية لمدة امتياز شركة قناة السويس الذي كان سينتهي في ١٧ نوفمبر ١٩٦٨ لمدة٤٠ سنة أخرى تنتهي سنة ٢٠٠٨ ووقفت الحكومة البريطانية وسلطة الاحتلال موقف المؤيد لمد الامتياز “خصوصا وقد بدأت الحركة الملاحية بالقناة تتضاعف ضعف ما كانت عليه، وكانت البضائع البريطانية تمثل ٧٨.٦ % من مجموع البضائع المارة بالقناة.
ولكن الحركة الوطنية المصرية بقيادة محمد فريد قادت هجوما كاسحا علي طلب المد وقلبت الرأي العام ضده  وقام طلعت حرب بتأليف كتاب عن قناة السويس ليوضح الحقائق للعامة و الخاصة عن تاريخ القناة و كيف ضاعت حصص مصر من الأسهم والأرباح وخسائرها حتي ١٩٠٩ وخلص إلي القول أن السهم الذي باعتها مصر ب 560 فرنكا للسهم الواحد أصبح سعرها بعد ثلاثين سنة فقط ٥٠١٠ فرنكا للسهم ،و حصتها من أرباح القناة التي باعتها ب ٢٢ مليون فرنك أصبحت فيمتها 300 مليون فرنك وقام طلعت حرب بطبع هذا الكتاب ونشره مما ساهم في إنشاء ضغط شعبي دفع بالجمعية العمومية ( مجلس الشعب) بتكليف كلاً من محمد طلعت حرب وسمير صبري بكتابة تقرير عن الموضوع و بالفعل قدموا تقريرهم للجمعية الذي وضحوا فيه خسائر مصر المالية المتوقعة في حالة تمديد الامتياز الحالي بالشروط السالف ذكرها وبناء علي هذا التقرير رفضت الجمعية العمومية عرض تمديد امتياز شركة قناة السويس وبقي الامتياز قائما بشروطه حتي جاء التأميم ١٩٥٦ قبل نهاية الامتياز ب ١٢ سنة.
طلعت حرب مع كلا من شريف صبري باشا ، رئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا ، رئيس الوزراء فيما بعد محمد محمود باشا ، رئيس الوزراء السابق عدلي يكن باشا ، في شركة كوم امبو عام 1932
في عام ١٩١١ قدم طلعت حرب رؤيته الفكرية واجتهاداته النظرية عن كيفية إحداث ثورته الثقافية وذلك من خلال كتابه “علاج مصر الاقتصادي وإنشاء بنك للمصريين”، كان طلعت حرب ميالا بشكل واع للفلاحين والفقراء حيث كان يضطر معظمهم للاستدانة بشكل ربوي مجحف لدى بعض المرابيين ، وساهم في الدفاع عنهم عند تصفية الدائرة السنية سعى إلى بيع الأراضي إلى الفلاحين الذين يزرعونها، كانت أسعار القطن عالمياً قد شهدت زيادة لكنها لم تنصب في صالح المزارع المصري البسيط، كذلك لم يكن هناك نظام مالي يدعمهم فرغم من إنشاء البنك المصري (Bank of Egypt) والبنك الأهلي ، لكنهم كانوا مخصصين لتمويل الأجانب فقط، وتسبب ظروف الاستعمار وقتها في استنزاف موارد الاقتصاد المصري لمصالحهم فقط.
طلعت حرب و هدى شعراوى بمطار ألماظة في حفل تكريم لطيفة النادى 1933
بدأ طلعت حرب دعواه عام ١٩٠٦ من أجل إنشاء نظام مالي مصري خالص لخدمه أبناء الوطن وللسعي أيضا للتحرير من القيود الاستعمارية الاقتصادية، لقيت دعواه استجابة واسعة استطاع طلعت حرب في عام ١٩٠٨ تأسيس شركة شركة التعاون المالي برأس مال مصري وذلك بهدف تقديم العديد من القروض المالية للشركات الصغيرة المتعسرة مادياً وساعده أيضاً عودة الدكتور فؤاد سلطان من الخارج والذي كان يعد أحد أبرز الخبراء الاقتصاديين، وقام بتقديم الدعم الكامل لمساعي طلعت حرب.

قام طلعت حرب بإصدار كتابه “علاج مصر الاقتصادي” الذي طرح من خلاله فكرته في ضرورة إنشاء بنك للمصريين لخدمه المشاريع الاقتصادية في مصر والنظر في المشكلات الاجتماعية، تحمس الكثيرين لفكرته بالرغم من معارضة السلطات الإنجليزية، وقرر المجتمعون بالفعل تنفيذ فكرة حرب في إنشاء بنك مصر لكن هذه الجهود تعطلت عملية إنشاء البنك بسبب الحرب العالمية الأولى وعادت فكرة إنشاء البنك عقب قيام ثورة ١٩١٩ في مصر.

شركات طلعت حرب

أسس وساهم في إنشاء عشرون شركة لتكون ركيزة اساسية فى دعم الاقتصاد المصرى ودخوله سوق المنافسة مع الشركات الأجنبية حيث أنشأ أول مطبعة مصرية كما ساهم فى إنشاء شركة مصر لصناعة الورق وشركة مصر لحلج القطن وشركة مصر لصناعة السينما (ستديو مصر) وقام أيضا بالمساهمة فى إنشاء الشركة المصرية العقارية وبنك مصر الفرنسى وشركة مصر للغزل والنسيج بوشركة مصر لمصايد الأسماك وشركة مصر لغزل الحرير و شركة مصر للكتان و بنك مصر سوريا .

وساهم أيضا فى انشاء شركة مصر للنقل والشحن و شركة المصنوعات المصرية وشركة مصر للطيران و شركة مصر للسياحة وشركة المصريون للجلود والدباغةو شركة مصر  وساعد فى إنشاء شركة مصر لصناعة وتكرير البترول وشركة مصر للصباغة (بالتعاون مع برادفورد )و شركة مصر للمستحضرات الطبية والتجميل

 

مؤلفاته

كان طلعت حرب أيضاً في بداية حياته كاتباً بارعاً وأمضى الكثير من كتابته لمناقشة قضايا العالم الإسلامي وقضايا مصر، خاصة فى عام ١٨٩٤ عقب عقد مؤتمر المستشرقين في باريس فقام عثمان كامل (سكرتير السلطان) بإهداء طلعت حرب رسالة فى الدفاع عن الدين الإسلامي فقام طلعت حرب بترجمتها إلى اللغة العربية وعنونها (كلمة حق عن الاسلام والدولة العثمانية) ثم أهداها إلى الشعب المصري، بالإضافة إلى قيامه بكتابة مقالات في الصحف ضد هذه الحملات.

قام طلعت حرب بنشر العديد من الكتب، كانت أولها كتب تتعلق بالدفاع عن الهوية الإسلامية في العقد الأخير للقرن التاسع عشر وهي : “كلمة حق على الإسلام والدولة العلية»، «تاريخ دول العرب والإسلام»، وفي خضم معركة الأدبية والفكرية مع قاسم أمين أصدر كتابي: تعليم «المرأة والحجاب” ١٨٩٨و فصل الخطاب في المرأة والحجاب.
سعد زغلول فى زيارة تهنئة لطلعت حرب بمناسبة افتتاح بنك مصر
كما أصدر كتاب «مصر وقناة السويس» عام ١٩٠٨ للتصدي لمحاولات الاستعمار لتمديد عقد امتياز قناة السويس، وفي عام ١٩١١ أصدر كتاب «علاج مصر الاقتصادي»، كما صدر أيضا لطلعت حرب كتب منوعة وهي: «غاية الأدب في صناعات شعر العرب» و«البراهين البينات على وجوب تعليم البنات».
كما تم تجميع جميع خطابات طلعت حرب في كتاب أطلق عليه: «خطب طلعت حرب» نشرته مطبعة مصر عام ١٩٢٧.

كما كان لطلعت حرب بعض الإسهامات الشعرية ، وصدر له عددًا من المقطوعات والقصائد منها: قصيدة في تهنئة السلطان عبد الحميد الأفخم كتبها عام ١٨٩٧ وقصيدة في تهنئة محمود رياض باشا ١٩٤١ وقصيدة مطلعها: «صرحت بالقصد والمحبوب قد كنى».

طلعت حرب مع الملك سعود (كان أمير آنذاك) خلال زيارته الأولى للقاهرة عام 1930 م

تكريمه 

في عام 1931 منحه الملك فؤاد الأول لقب صاحب السعادة ورتبة باشا عقب افتتاح شركة مصر لغزل القطن والنسيج بالمحلة الكبرى. كما قام ملك السعودية الراحل الملك عبد العزيز آل سعود بإهداء طلعت حرب كسوة باب الكعبة الشريفة عام 1937، تقديرا لجهوده في إقامة المشروعات التنموية بالمملكة آنذاك. وفي عام 1980 وفي الذكرى الستين لتأسيس بنك مصر تم تكريم اسم طلعت حرب حيث قام الرئيس الراحل محمد أنور السادات منح طلعت حرب قلادة النيل العظمى تكريما لمجهوداته العظيمة في الاقتصاد المصري.

قدمت كوكب الشرق أم كلثوم أغنية عنه بعنوان “أذكروه خلّدوه” في ذكرى طلعت حرب وهي من ألحان رياض السنباطي وكلمات الشاعر المصري صالح جودت وذلك بتاريخ ٢٢ شباط عام ١٩٥٧ في قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة.

وفاته

عقب استقالته من إدارة بنك مصر  إنتقل طلعت حرب للعيش في قرية العنانية في مركز فارسكور بدمياط  حيث عاش بعيداً عن الأضواء ، وتوفى في الثالث عشر من أغسطس عام ١٩٤١ عن عمر يناهز ٧٤ عاما بالقاهرة.

أُقيمت جنازته بمنزله الموجود في شارع رمسيس وحضر الجنازة كلا من : مندوب الملك و مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء و والعديد من الشخصيات السياسية مثل : أحمد ماهر باشا وأحمد حسنين باشا وشيخ الأزهر مصطفى المراغي ووكيل بطركية الأقباط ومفتي الديار المصرية وشيخ المشايخ الصوفية. والعديد من كبار الموظفين الحكومة والمفوضيات الأجنبية وأعضاء مجلس إدارة وموظفي بنك مصر كما نعاه العديد من الشعراء بقصائد رثاء مثل عباس العقاد واحسان عبد القدوس وصالح جودت وأمير الشعراء أحمد شوقي.

رأيك يهمنا لذلك اترك تعليق

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله