قصر البارون … ولا يزال الغموض مستمرا

إنه تحفة معمارية فريدة من نوعها شيده المليونير البلجيكي البارون ادوارد إمبان (20 سبتمبر 1852 – 22 يوليو 1929)، والذي جاء إلى مصر من الهند في نهاية القرن التاسع عشر بعد وقت قليل من افتتاح قناة السويس يقع القصر في قلب منطقة مصر الجديدة بالقاهرة، تحديداً في شارع العروبة على الطريق الرئيسي المؤدي إلى مطار القاهرة الدولي ويشرف القصر أيضاً على شارع ابن بطوطة وابن جبير وحسن صادق.

البارون إمبان
البارون إمبان

في عام 1905 زار البارون امبان معرضا للتصميم المعماري في فرنسا وقابل المعماري الكسندر مرسيل وشاهد تصميم لقصر بلجيكي وأعجبه التصميم بشدة، واتفق امبان مع الكسندر على بناء ذلك القصر في مصر، وصُمم القصر من طابقين و7حجرات وزين بزخارف شرقية وهندية وأوروبية.

أرشيف مصر قصر البارون

كان من الصعب في ذلك الوقت الجمع بين كل هذه الزخارف في أن واحد، ولذلك اعتبر القصر تحفة فنية وظل الوحيد على مستوى العالم الذي لا تغيب عنه الشمس، فقاعدة القصر مصنوعة على “الرولمان بلي”، ولذلك فقبة القصر تدور لفة كاملة مع أشعة الشمس منذ الصباح وحتى المساء.

وعاش امبان مع زوجته البارونة وابنتيه، وقيل أن زوجته حُشرت في المصعد الذي ينقل الطعام وقيل أنها سقطت من أعلى البرج وماتت، وقيل إن الجريمة حدثت بفعل فاعل، وكانت ابنته الصغرى “آن” عمرها ثمانية أعوام آنذاك، وقد شاهدت هذه الحادثة البشعة فأثرت عليها كثيرا.

https://www.youtube.com/watch?v=FvP-cTQq7oA

 

اهتم البارون امبان بتعمير ضاحية مصر الجديدة، وكان يساعده في هذا الدوق “ماريبى” الرجل الفرنسي الثرى، ونشأت صداقة بين “آن” التي بلغت السابعة عشر من عمرها وبين “سيلفيا” ابنة الدوق ماريبى.

وكانت “سيلفيا” لها علاقات شيطانية واستطاعت أن تسيطر على “آن”، وقد أهدتها ورقة مفضضة رسم عليها الصليب المقلوب، فقامت أن بتثبيتها على جدران حجرتها الوردية الجميلة التي تقع غرب القصر.

ولم تكن تعلم “آن” أن صديقتها سيلفيا تقودها إلى عبادة الشيطان دون أن تدري، فتغير حالها كثيرا، وقد تعالت ضحكاتها ليلا مع صديقتها سليفيا، وانطلقت رائحة البخور من غرفتها، ودخلت مع سيلفيا وأصدقائها في احد السراديب وكانوا ينشدون الترانيم الحزينة، وفي هذا الوقت كانت تسترجع موت أمها، فتصاب بهياج بينما يقوم الأصدقاء باستدعاء الشيطان، بقصد العبادة له بحسب ما قيل.

أرشيف مصر قصر البارون

ساءت حالة آن ولاحظ أبيها وخادمات القصر ما يحدث، وأشار طبيب القصر إلى ضرورة تغيير حجرتها حتى تشعر بالهدوء والاسترخاء ولكن دون جدوى.

وما زاد الأمور سوءا مصرع 6 خادمات الواحدة تلو الأخرى، ومنهم مدام “دى مورييه” رئيسة خدم القصر، والعجيب أنه عقب كل حادثة كانت “آن” تحاول الانتحار مما كان يشير بوجود صلة بينها وبين هذه الحوادث البشعة.

وأيضا لقى شقيق البارون امبان مصرعه داخل السرداب، ولم تدم هذه الأحداث طويلا فبعد سنتين من التعرف على سيلفيا الشريرة لقيت “آن” مصرعها وهى في التاسعة عشر من عمرها.

ومات امبان في عام 1930 وكانت وصيته دفنه بكنيسة الكربة الموجودة بميدان الكربة الموجودة بجوار القصر.

و بعد وفاة البير أصبح القصر مهجورا منذ عام 1930، ولم يهتم به احد حتى جاء المهندس إبراهيم سليمان واستطاع أن يبرم اتفاقا مع ورثة امبان، وأصبح تابعا للمجلس الأعلى للآثار.

والى الآن لا يوجد أي فائدة تعود من القصر فهو مهجور تماماً وشركة الصوت والضوء أضافت بعض الأضواء إلى القصر، ومن الممكن تحويل القصر إلى فندق أو متحف، أو كمركز للثقافة المصرية.

ويقول الدكتور زاهي حواس في مقال لجريدة الشرق الأوسط : 

أرشيف مصر زاهي حواس

يرى هذا القصر كل مغادر لمصر عن طريق شارع العروبة متوجها إلى مطار القاهرة، وأيضا كل من يأتي إلى مصر ويسلك نفس الطريق.. وهو تحفة معمارية رائعة تقع على مشارف القاهرة المزدحمة. ويرجع تاريخ إنشاء القصر إلى أوائل القرن العشرين الميلادي، واستغرق بناؤه ثلاث سنوات، وقد صمم بحيث لا تغيب عنه الشمس من لحظة شروقها حتى آخر ضوء قبل غروبها! وجميع قاعاته وردهاته وحجراته تدخلها الشمس، ويعد أحد أفخم القصور، ليس في مصر فقط، بل في العالم بأسره، وذلك لتصميمه المعماري الفريد، حيث خطط على الطراز الهندي الثري، ويتكون القصر من طابقين، وبه ست حجرات كبيرة وصالتان، وفي الشمال يوجد برج كبير مكون من أربعة طوابق بسلم حلزوني داخلي من الخشب.. وفي مدخل القصر بعض التماثيل الرخامية والحجرية التي تمثل أشكالا حيوانية وآدمية. وواجهة القصر والبرج غنية بالنقوش الهندسية والنباتية. ولقد جرى استخدام أثمن مواد البناء في تشييد القصر كالمرمر والرخام والفسيفساء والزجاج الملون، ويشهد الثراء الفني للعناصر الداخلية للقصر على مدى فخامته. وترجع أهمية القصر إلى أنه واكب حركة التعمير التي قام بها البارون إمبان البلجيكي الأصل في حي مصر الجديدة، حيث كان هو صاحب فكرة تعمير وتحويل صحراء مصر الجديدة إلى ضاحية كبرى بعد أن أسس «شركة مصر الجديدة» التي بدأت بتقسيم الأراضي وبناء المساكن وتخطيط الشوارع وإنشاء شركات الكهرباء والمياه والتروماي (المترو) بأسلوب علمي منظم متكامل. ويحيط بالقصر حديقة مساحتها أكثر بقليل من أربعة فدادين، كانت من أجمل حدائق القصور في مصر.

أرشيف مصر قصر البارون

وقد شهد قصر البارون إمبان الكثير من التطورات بعد أن بدأ المصريون يسألون سؤالا واحدا: لماذا نترك هذا القصر مهجورا بهذا الشكل؟ خاصة وهو موجود في أجمل بقعة بالقاهرة (حي مصر الجديدة) واستطاع الدكتور محمد إبراهيم سليمان، وزير الإسكان الأسبق، أن يتصل بورثة البارون إمبان وهم من يملكون القصر وعرض عليهم أرضا في القاهرة الجديدة على أن يحصل على القصر للدولة، وجرى بالفعل تسليمه للمجلس الأعلى للآثار لأنه يعتبر أثرا معماريا فريدا.. وبدأنا في محاولة إحياء القصر وإعادته إلى سابق جماله وروعته كتحفة معمارية جميله وقمنا بالتعاون مع السفارة البلجيكية لدى مصر من أجل ترميم القصر. وبالفعل تقدموا بمشروع ترميم مثالي، وبدأوا في عمل تصور فوتوغرافي لجميع أجزاء القصر من الداخل والخارج وتسجيل كل تفاصيل الزخارف المعمارية، وجرى رفع القصر مساحيا وعمل قياسات لقوة تحمل الجدران والأرضيات تمهيدا لبدء الترميم، وفي نفس الوقت اتفقنا مع «شركة الصوت والضوء» لعمل تصور لإنارة القصر من الداخل والخارج مثلما فعلنا مع إنارة قلعة صلاح الدين الأيوبي والتي أصبحت جوهرة تنير القاهرة، وكنت أتمنى أن أرى قصر البارون إمبان بهذه العظمة

أدعو كل مسؤول أن يزور باكو عاصمة أذربيجان لكي يرى كيف أنهم أناروا المباني التاريخية حتى أصبحت باكو تضارع أجمل المدن في أوروبا.. القاهرة مدينة ثرية بعمائرها.. فهل يوجد فنان بالحكومة المصرية يستطيع أن يعيد للقاهرة جمالها؟ ويعيد إلينا الأمل؟!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله