جروبي أكبر من مجرد مقهي … جزء من تاريخ مصر

بعد افتتاح قناة السويس صارت مصر مصدر جذب للكثير من الأجانب للعمل والاستثمار فتوافد على البلاد جاليات يهودية ويونانية وإيطالية وفرنسية وشامية مستفيدة من نظام الامتيازات الذي وفرة الاحتلال الإنجليزي في مصر
وبدأت تتغير المعالم الديموغرافية لإحياء القاهرة وتأسست أحياء جديدة كان أغلب سكانها من أثرياء المدينة والأجانب مثل الزمالك وجاردن سيتي ومصر الجديدة وكان سمة حاجة لنشاط جديد على النمط الأوربي لتلبية حاجات هؤلاء الوافدين الجدد فتأسست شركات ومحلات وأسواق لهذا الغرض أتاحت فرص كثيرة للعديد من المغامرين محملين بأفكار جديدة في أرض بكر و ذاعت شهرة الكثير من أفرادها وتركوا بصمات لا تنكر على القاهرة ومنهم جروبي

مقهى جروبي مقهي عريق وقديم بميدان طلعت حرب بالقاهرة. اسسه جاكومو جروبي (بالإيطالية Giacomo Groppi ـ 1863 – 1947), سويسري جاء إلى مصر في ثمانينيات القرن التاسع عشر. أنشأ مع ابنه مطعمًا ومتجرًا لبيع الحلوى يحملان اسمه في وسط القاهرة, أحدهما بميدان طلعت حرب (سليمان باشا سابقا), والآخر بشارع عدلي.

جياكومو غروبي
جياكومو غروبي

تضاعف النجاح بعد أن افتتح محلين أصغر وأكثر بساطة يقدم فيهما الشطائر والحلوى والمشروبات وقوفا على الطريقة الأمريكية, كما لم يكتفِ جاكومو بالمحلاّت الأربعة فكان يعمل على توصيل طلبات خارجية مثل إقامة الولائم في بيوت الوزراء والكبراء.
لم يكن جروبي مجرد مطعم ومقهى على الطراز الفرنسيّ, وإنما جاء كمشروع ثقافي يرسي ذوقا وتقاليد جديدة, حيث أعتبر مركزا من مراكز الحداثة, فكان يقيم العديد من الحفلات الراقصة, ويستقدم الفرق الموسيقيّة, ويعرض في حديقته الخلفيّة عددا من الأفلام السينمائيّة. أدخل جروبّي إلى مصر للمرة الأولى أنواعا جديدة من الشيكولاتة والعصائر المركزة والمربى والجبن, وكرات مثلجة من الحليب والشيكولاتة وعصير الفواكه, وأنواع جديدة من الحلوى كانت اسمائها جديدة وقتها: كريم شانتي, مارون جلاسيه, جيلاتي, ميل فوي, إكلير, بُول دي شوكولاه, وغيرها. و تم تصوير العديد من الافلام العربية بالمحل اشهرها “العتبة الخضرا” و”يوم من عمرى” و”عمارة يعقوبيان”

جروبي 1924
جروبي 1924

قام “شيزار” و”بيانكى” آخر ورثة المحل عن جدهم ومؤسسه “جروبى”، ببيع المحل إلى الشركة العربية للأغذية سنه 1981 م. قامت الشركة العربية للأغذية بالمحافظه علي طابع المحل التقليدي من حيث الشكل والمضمون

من خارج المطعم تظهر العلامة التجارية “جروبى” بحروف عربية وأخرى لاتينية تجعل من يراها يدرك أنه أمام محل ذو طابع خاص، وليس كباقي المحال الحديثة، كما يظهر المعمار الأوروبي لنهاية القرن التاسع عشرة للعمارة التي تعلو المحل، ومن الداخل لايزال يحتفظ المحل ببعض الآثاث القديم الذي يرجع لبدايات القرن العشربن ويعطي أيضاً الأثاث أنطباعاً بفترة السبعينات من القرن الماضي. عند دخولك من باب المحل تجذبك موسيقى “الساكس فون” لتعيش في أجواء هادئة، وبخلاف ما نراه الآن في محال الوجبات السريعة من زى ذى طابع حديث للعاملين، نجد أن العاملين بمحل جروبي محتفظين بملابسهم الكلاسيكية الأنيقة فيرتدوا زياً مكوناً من قميص وبنطلون وسديري وبابيون

أرشيف مصر جروبي

أمين سعيد، رجل عجوز، ملامحه وشعره الأبيض كالثلج ينبئ بأنه بلغ الستين عاما أو يزيد، منها أربعون عاما، قضاها متصلة في جروبي، يبيع الشوكولاته والفونضام والمارون جلاسيه، الذي لا يعرف قدره أو طعمه غير زبائن جروبي (الهاي) على حد تعبير عم أمين، وقد أكمل مبتسما: «الست أم كلثوم كانت تأتى وتتناول (افطارها) هنا في جروبي، وتشتري منى الجبنة والشوكولاته، والست فاتن حمامة أيضا من زبائن المحل القدامى، والسيدة جيهان السادات كانت تأتى لجروبي عدلي وتشترى الشوكولاته بنفسها، وأولاد السادات كلهم كانوا حتى وقت قريب يأتون، ويشترون مني الجاتوه».

ثم يتابع بوجه بشوش: «مرتبى بدأ بربع جنيه والآن صار حوالي 400 جنيه، ليس كثيرا لكن، الحمد لله زي الفل، البقشيش كان زمان قرش صاغ دلوقت فيه زبون بيدفع بقشيش جنيه وفيه بيدفع 20 جنيها، أنا قضيت عمري كله في جروبي ولا أفكر أبدا في أن أتركه، أو أذهب لمكان آخر». الذكريات مثل عم أمين، لا تفكر أبدا في أن تترك جروبي وتذهب لمكان آخر، هنا كانت تجلس أسمهان، وعلى هذه المائدة كان يجلس كامل الشناوي، يقرأ جرائد الصباح ويكتب الشعر ويشرب عصيره المفضل. الفنان أحمد رمزي كان يتردد على جروبي بصفة شبه يومية مع أصدقائه، وفي مرة كان مع احد زملائه في الدراسة وشاركهما اللقاء مخرج شاب اسمه يوسف شاهين، فحدثت الصدفة التي قدمت للسينما العربية والعالمية نجم شهير هو عمر الشريف (زميل رمزي منذ الدراسة الثانوية) الذي اكتشفه شاهين وأعطاه بطولة مطلقة في أول أفلامه «صراع في الوادي».

حتى عيزرا وايزمان – الذي صار فيما بعد رئيسا لإسرائيل ـ كان يتناول إفطاره يوميا في جروبي طوال فترة وجوده في مصر كجندي يهودي بالجيش الانجليزي! وفي كتابه «الإخوان والعنف» يذكر الكاتب عامر شامخ، ما يفيد بأن جروبي كان ملتقى الصفوة ونجوم المجتمع، بالإضافة لكونه المقهى المفضل لأبناء الطبقة الراقية من المصريين والأجانب المقيمين بالقاهرة، لذا خطط الإخوان المسلمون لنسفه مع الجامعة والسكة الحديد، في عملية تخريبية، تم إحباطها في أكتوبر (تشرين الاول) 1954. وعلى قدر أهمية جروبي وزبائنه، يدلنا حادث آخر خطير، تكشفت تفاصيله عام 1960 ـ عهد عبد الناصر ـ حين سقطت شبكة جواسيس تعمل لصلح الموساد الإسرائيلي، وهو ما عرف وقتها بعملية سمير الإسكندراني، الذي أوقع بعشرة جواسيس من العيار الثقيل، كان أحدهم جورج استاماتيو أحد عمال جروبي!

أرشيف مصر جروبي

وهكذا يبدو جليا أن جروبي لم يكن مجرد مقهى بقدر ما هو رمز عميق الدلالة والتأثير في الحياة المصرية، ومشروع ثقافي شديد الوجاهة، له تقاليد أرستقراطية نبيلة، عكست صورة النهضة في تلك الفترة من تاريخ مصر. في حديقته الخلفية الواسعة أقيمت الحفلات الراقصة والعروض السينمائية الجديدة، وفيه ظهرت فرق الموسيقى الأوروبية، وعلى يده عرفت مصر أنواعا جديدة من العصائر والمربى والجبن والحلوى والكريم شانتيه، وأجود أنواع الشوكولاته والمارون جلاسيه، لدرجة أن بنات الملك شارل ملك انجلترا، أعجبن غاية الإعجاب بمذاق الشوكولاته التي أكلنها في قصر الملك فاروق، ولم تكن في بلادهم شوكولاته تماثلها على ما يبدو، فأرسل فاروق إليهن هدية، بعد عودتهن إلى لندن، عبارة عن 100 كيلو شوكولاته من صنع جروبي! يسأل الناس الآن ما الذي حدث لجروبي؟ صفحات الجرائد التي لا تذكر اسم جروبي إلا ومعه خبر عن مظاهرة أو وقفة احتجاج أو نداء لمقاطعته، ومحلات الأميركيين معه، سخطا على صاحبه عبد العظيم لقمة أحد قيادات الإخوان الذي اشترى المحلات من أحفاد جروبي، ويتهمه الرأي العام المصري بتخريب جروبي والقضاء متعمدا على دوره التنويري المتحضر، بينما يتهمه المتظاهرون والمقاطعون باستغلال العمال في مصانعه، وتعريضهم للأمراض الخبيثة والموت، من دون تأمين أو حماية، خاصة العاملين منهم في إنتاج الأسقف المعدنية (الأسبستوس) بالغة الضرر للصحة والبيئة.

ويذكر الأستاذ صلاح علي، مدير سابق لمحلات جروبي، انه بعد موت عبد العظيم لقمة، أعلن أولاده أكثر من مرة عن رغبتهم في إصلاح وتطوير المحلات، وإعادة جروبي لما كان عليه من بريق ورونق يليق بمكانته التاريخية واسمه المعروف، لكنها كانت دائما محاولات فاشلة لا تتسم بالجدية.

رأيك يهمنا لذلك اترك تعليق

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله