من فضلك اختار القائمة العلويه من القوائم داخل لوحة التحكم

تعرف على قراقوش العبقرى الذى ظلمه التاريخ وظلمه المثل الشعبى

images408-765x510

حكم قراقوش

لم تُنسب تسميةٌ كنايةً عن الظلم في التاريخ العربي مثلما نسبت هذه العبارة إلى الأمير بهاء الدين قراقوش وما زالت تجرى على ألسنة المصريين في حياتهم اليومية وعبر أجيال طويلة منذ قرابة الألف سنة وقليل هي تلك الدراسات العلمية التي إهتمَّت برفع الظلم عن هذا الرجل والذى  أحد كبار المهندسين والبنائين في تاريخ الإسلام .. والغريب أن كل هذا التراث المغلوط من السمعة السيئة التي تدلُّ على البطش والإستبداد سببها كتاب وضعه أحد الموتورين من منافسي قراقوش وخصومه الحاقدين في عصره وهو ” إبن مماتي ” الذي كتب عنه كتاب ” الفاشوش في معرفة أخبار قراقوش ” وملأه بالإدعاءات الظالمة التي نسبها إلى الأمير قراقوش وسرعان ما إنتشرت على ألسنة العامة داخل وخارج مصر ووصفه بالغفلة والحمق والبطش والإستبداد ..

images

وربما قد نساعد نحن فى رفع بعض الظلم الذى قد إلتصق به طوال هذه المدة فقط تابع القرأة  ..

وُلد قراقوش بآسيا الصغرى وهو رومي النسب خدم ” أسد الدين شيركوه ” القائد العسكري في جيش عماد الدين آل زنكي ثم في جيش خليفته نور الدين محمود الذي قرَّب شيركوه وقدَّمه على بقية قواد الجيش ودخل قراقوش مصر في جيش أسد الدين شيركوه وإبن أخيه صلاح الدين الأيوبي في تلك الفترة التي شهدت إنهيار الدولة الفاطمية ونذر قيام الدولة الأيوبية ..  وإسم قراقوش بالكامل هو بهاء الدين بن عبد الله الأسدي وسمي بالأسدي نسبة إلى أسد الدين شيركوه قائده ومعنى ” قراقوش ” بالتركية النسر الأسود.. وقد كان قراقوش ضلعًا في مثلث إرتكزت عليه الدولة الأيوبية في مصر الضلع الأول هو الفقيه عيسى المهكاري والضلع الثاني هو القاضي الفاضل والضلع الثالث هو القائد العسكري قراقوش ..

وبينما صبغت الدولة الفاطمية بالصبغة المدنية وإهتمت بإنشاء الدواوين المتعدِّدة فإن الدولة الأيوبية كانت دولة عسكرية الطابع حيث واجهها خطر الغزو الأوربي متمثلاً في جيوش الفرنجة لذا إهتمَّ صلاح الدين بالتجهيزات العسكرية من مدِّ الجسور وبناء القلاع والحصون وإنشاء الأسوار وهي مجالات كان لقراقوش باع طويل فيها .

1213

ولنعرف دور قراقوش التاريخى يجب أن نتعرف على نشأته والبيئة التى تربى فيها فبعد أن مات الخليفة الفاطمي العاضد كان صلاح الدين قد إنتهى من قطع إسمه من الخطبة وذكر إسم الخليفة العباسي بدلاً منه وتولى صلاح الدين يوسف الأيوبي الحكم رسميًّا وقد حوى القصر الفاطمي كنوزًا هائلة خشي صلاح الدين عليها من نهب المؤتمنوالذى كان أحد أ أعدائه فاختار صلاح الدين قراقوش متوليًا على القصر للحفاظ على خزائنه فسهر على حماية. الكنوز الهائلة  .. المناخ الذي تفتحت فيه عبقرية قراقوش كان مناخًا مزدهرًا عسكريًّا وسياسيًّا ويعود ذلك إلى إنتصارات صلاح الدين الحربية الباهرة ..وهي الإنتصارات التي رفعت راية الإسلام وقهرت قوى الشرِّ والعدوان الصليبية حتى وصفها الشاعر المصري الكبير ابن سناء الملك وقتها فى شعر من أشعاره ..

images

وكان لقراقوش عبقرية هندسية إستغلها فى النواحى العسكرية فشيد قلعة صلاح الدين الأيوبى والتي ظلَّت مقرًّا للحكم في القاهرة حتى عهد محمد على إلى أن إستبدل بها الخديوي إسماعيل مقرًّا آخر للحكم .. ولم تتم بناء قلعة الجبل في عهد صلاح الدين وإنما أكمل بناءها الملك الكامل محمد اإن أخي صلاح الدين يوسف وهو أول من سكن بها من بني أيوب كما أتبعها ببناء قلعة المقسي وهي برج كبير بناه قراقوش على النيل وبنى بالقرب منه أبراجًا أخرى ولكن على طراز الأبراج الفرنجية لا الفاطمية التي وجدها أصلح وأقوي وأكثر تقدُّمًا .

وبعد الإنتهاء من بناء القلعتين قام قراقوش ببناء سور كبير يحيط بالجيزة ناحية الصحراء الغربية من أحجار الأهرامات ثم بني سورًا يحيط بالقاهرة وبناه من حجارة الأهرامات الصغيرة والمقطم وحفر فيه بئرًا وضم مسجدًا.. وكانت البئر من عجائب الأبنية ” يدور البقر من أعلاها وينقل الماء من وسطها وتدور أبقار أخرى وسطها فينقل الماء من أسفلها وجميع ذلك حجر منحوت ليس فيه بناء وقيل ..  إن أرض هذا البئر مسامتة لأرض بركة الفيل وأن ماءها كان عذبًا في أول الأمر ثم أراد قراقوش الزيادة في مائها فوسعها فخرجت منها عين مالحة غيَّرت حلاوتها ” .

وهذا السور هو السور الثالث الذي أحاط بالقاهرة بعد سور جوهر الصقلي مؤسس القاهرة وسور بدر الدين الجمالي الأمير الفاطمي وكان السوران من اللَّبِن وليس من الحجارة كما جاء سور قراقوش ..

وعندما إسترد صلاح الدين عكا من أيدى الفرنجة وتهدَّم سور المدينة من الحصار وترك لقراقوش مهمة إعادة بناء السور المتهدم ومضى ليحرِّر الحصون الأخرى من الفرنجة وعكف قراقوش على عمله بجد وشغف وبعزيمة ومضاء وهو يدرك أهمية هذا العمل في تحرير الأرض العربية من أيدي المغتصبين ولكن الفرنجة في محاولة يائسة قرروا لمَّ شتاتهم في المنطقة والقيام بعملية إلتفاف حول قوات المسلمين وحاصروا عكا حتى يشتتوا تركيز صلاح الدين وإستمر الحصار عامين وقراقوش يقود المقاومة والصمود داخل المدينة المحاصرة حتى غلبهم الجوع والوباء وإمدادات الفرنجة التي أتت من البحر لتقع عكا في أيديهم ويقع من فيها أسرى وقتلى وجرحى، وأُسِرَ قراقوش نفسه حتى أُفرج عنه في الصلح في 11 شوال سنة 588هـ الموافق  1192م .

وبعد وفاة صلاح الدين عمل قراقوش في خدمة العزيز فكان يُنيبه على البلاد عند خروجه للقتال كما كان يفعل أبوه صلاح الدين.. وقد أحبط مؤامرة العادل لخلع العزيز بالله بالإتفاق مع قائد أكبر قوات العزيز وهو حسام الدين أبو الهيجاء السمين زعيم الأسدية الذي إنسحب بقواته من الشام وكشف ظهر العزيز بالله ولكن قراقوش أحبط محاولة الإنقلاب على العزيز بالقاهرة وأخمد عزم بقية القوات بالإنضمام لحركة السمين وسهل عودة العزيز إلى القاهرة .

وبعد وفاة العزيز تولَّى المنصور وسنه كان وقتها تسع سنوات فأصبح قراقوش وصيًّا على العرش وعندما إنقسم الصلاحية والأسدية وإستعانوا بالملك الأفضل عم المنصور تنازل قراقوش له عن الوصاية .. ولكن مؤامرات العادل إستمرت وظلت أطماعه في الشام صوب عرش القاهرة سادرة وعزم على الإغارة على القاهرة فلما تبين الأفضل أطماع عمه العادل جمع قواده وعرض عليهم الأمر فقال له الأمير بهاء الدين قراقوش في تصميم.. ” لا تخف يا مولاي فنحن جندك وجند أبيك من قبلك مرني أحفظ لك قلعة الجبل ثم مرني أحفر لك ما بقي من سور البلد، ثم مرني أتعمق الحفر، حتى أصل إلى الصخر، وأن أجعل التراب على حافة الحفر فيبدو كأنه حائط آخر ودعني أفعل ذلك فيما بين البحر وقلعة المقسي وبذلك لا يبقى لمصر طريق إلا من بابها الذي يصعب أن يفتحه العدو ” .

ولكن العادل إستولى على مصر وفر الأفضل من وجهه إلى الشام وخلع العادل المنصور ونصب نفسه واليًا وخطب له ..

وتواري قراقوش في الظل حتى توفي في بداية شهر رجب سنة 597هـ  والموافق 1200م بعد حياة حافلة بالعطاء والإخلاص .. بعيدة كل البعد عن الظلم فلم تكن المقولة التى صدرت فى حقه من آلاف السنين صحيحة فليس قراقوش الرجل الذى يستحق أن نوصفه بالظالم أو المستبد .

index

وعلى الرغم من هذا التاريخ الزاهي للأمير قراقوش فقد قيض الله له أحد الأدباء الموتورين وهو إبن مماتي ليشوه هذا التاريخ المضيء.. وهو مسيحي الأصل من أسيوط أسلم أبوه من قبل وأتاح ذلك له أن يبرز في المجتمع القاهري وقتها فتقرب من القاضي الأفضل وترأس ديوان الجيش في عهد صلاح الدين وطوال حكم العزيز بالله ولكنه فرَّ من البلاد في حكم العادل ولابن مماتي مؤلفات كثيرة أغلبها في آداب السلوك وكان المماتى هو أصل الإشاعة التى صدرت بحق قراقوش فألتصقت بإسمه للأبد .

رأيك يهمنا لذلك اترك تعليق

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *