ما لا تعرفه عن الظاهر بيبرس

الملك الظاهر بيبرس

الملك الظاهر ركن الدين بيبرس العلائي البُنْدُقْدارِي الصالحي النجمي وصل  من حماة مع تاجر و بيع للملك المنصور محمد حاكم حماة لكن مالم يعجبه و أرجعه فذهب التاجر به إلى سوق الرقيق بدمشق و هو في الرابعة عشر من عمره و باعه هناك بثمانمئة درهم لكن الذي اشتراه أرجعه للتاجر لأنه كان فيه عيب خلقي في إحدى عينيه “مياه بيضاء” فاشتراه الأمير “علاء الدين أيدكين البندقدار “صاحب الخانقاه في بركة الفيل بالسيدة زينب” ثم انتقل بعد مصادرة ممتلكات سيده علاء الدين أيدكين إلى خدمة السلطان الأيوبي الملك الصالح نجم الدين أيوب بالقاهرة و أعتقه الملك الصالح و منحه الإمارة فصار أميراً كان بيبرس ضخماً طويلاً ذا شخصية قوية و صوته جهوري و عيناه زرقاوان و يوجد بإحدى عينيه نقطة بيضاء و قد يكون سبب زرقة عينيه أن أصله كان مختلطا

الصور_افخر_القصور_محمد_x

بعد استتاب الأمر للمماليك في حكم مصر بقيادة السلطان أيبك بدأ أمر أقطاي يستفحل و أحس السلطان عز الدين أيبك بزيادة نفوذه خاصة بعدما طلب من أيبك أن يفرد له مكاناً في قلعة الجبل ليسكن به مع عروسه شجرة الدر فقرر قتله بالتعاون مع مملوكه سيف الدين قطز و المماليك المعزية فاستدرجه إلى قلعة الجبل و اغتاله و ألقى برأسه إلى المماليك البحرية الذين تجمعوا تحت القلعة مطالبين بالإفراج عنه و كان ذلك سنة 652 هـ / 1254م ففر المماليك البحرية من مصر إلى سوريا و الكرك و سلطنة الروم السلاجقة و أماكن أخرى و كان في مقدمتهم بيبرس و قلاوون الألفي و بلبان الرشيدي و سنقر الأشقر الذين فروا إلى دمشق

الصور_افخر_القصور_محمد_x

عاد بيبرس لمصر بعد أن ولاه سيف الدين قطز منصب الوزارة عام 1260 ميلادية ليشتركا معا في محاربة المغول الذين كانوا في طريقهم إلى مصر بعد اجتياحهم المشرق الإسلامي ثم العراق و إسقاطهم الدولة العباسية في بغداد و قد أرسل “هولاكو” رسلا لقطز يحملون كتابا فيه تهديد ووعيد إن لم يخضعوا له. فعقد سيف الدين قطز اجتماعا مع وجهاء الدولة و علمائها و تم الاتفاق على التوجه لقتال المغول إذ لا مجال لمداهنتهم و قد اختلى قطز ببيرس البندقداري الذي كان أمير الأمراء و استشاره في الموضوع فأشار عليه بأن يقتل الرسل و أن يذهب إلى كتبغا متضامنين فإن انتصرنا أو هزمنا فسوف نكون في كلتا الحالتين معذورين فاستصوب قطز هذا الكلام و قام بقتل رسل المغول و قد زاد من عزيمة المسلمين وصول رسالة من “صارم الدين الأشرفي” و قد وقع أسيرا في يد المغول أثناء غزوهم الشام ثم قبل الخدمة في صفوفهم أوضح لهم فيها قلة عددهم وشجعهم على قتالهم وأن لا يخافوا منهم و قد استفاد قطز من رحيل “هولاكو” إلى فارس على رأس معظم جيشه بعد سماعه بوفاة أخيه الخان الأعظم فمن تبقى في الشام من عساكر المغول تحت قيادة كتبغا يتراوح ما بين 10 آلاف إلى 20 ألف رجل قام سيف الدين قطز بتقسيم جيشه لمقدمة بقيادة بيبرس و بقية الجيش يختبئ بين التلال و في الوديان المجاورة كقوات دعم أو لتنفيذ هجوم مضاد أو معاكس فقامت مقدمة الجيش بقيادة بيبرس بهجوم سريع ثم انسحبت متظاهرة بالانهزام لسحب خيالة المغول إلى الكمين و انطلت الحيلة على كتبغا فحمل بكل قواه على مقدمة جيش المسلمين و اخترقه و بدأت المقدمة بالتراجع إلى داخل الكمين و في تلك الأثناء خرج قطز و بقية مشاة و فرسان الجيش و عملوا على تطويق و محاصرة قوات كتبغا فعندئذ استعر القتال ولم يمض كثير من الوقت حتى هزم الجيش المغولي و قتل معظمهم بمن فيهم قائدهم كتبغا

إحباط-سرقة-قصر-محمد-على-بشبرا-الخيمة-300

و بعد انتصار قطز على المغول في عين جالوت ساق ورائهم لتحرير باقي مدن الشام فتحررت دمشق و حماة و حمص و أرسل بيبرس ليطرد التتار من حلب و يتسلمها و وعده بنيابتها فلما طردهم منها و تسلمها المسلمون استناب عليها غيره و هو “علاء الدين ابن صاحب الموصل” و كان ذلك سبب الوحشة التي وقعت بينهما فاقتضى قتل السلطان قطز سريعا فبعد عودة السلطان قطز من معركة عين جالوت منتصرا قاصدا مصر وصل ما بين الغزالي و الصالحية فضرب دهليزه و ساق خلف أرنب  وساق معه بيبرس و معه الأمراء الذين اتفقوا على قتله فشفع بيبرس في شيء فشفعه فأخذ يده ليقبلها فأمسكها و حمل عليه الأمراء بالسيوف فضربوه بها و ألقوه عن فرسه و رشقوه بالنشاب حتى قتلوه ثم كروا راجعين إلى المخيم و بأيديهم السيوف مصلتة فأخبروا خبرهم فقال بعضهم من قتله؟ فقالوا: ركن الدين بيبرس فقالوا له:أنت قتلته؟ فقال: نعم فقالوا أنت الملك إذاً

 

بعد مبايعة بيبرس على ملك مصر أواخر ذي القعدة سنة 658 هـ دقت الطبول فرحا بذلك ودخل قلعة الجبل وجلس على كرسيها وقد لقب نفسه أول مرة بالقاهر فقال له الوزير: إن هذا اللقب لا يفلح من تلقب به تلقب به القاهر بن المعتضد فلم تطل أيامه حتى خلع وسملت عيناه ولقب به القاهر صاحب الموصل فسم ومات فعدل عنه حينئذ إلى الملك الظاهر ثم شرع في مسك كل من يرى في نفسه الرئاسة من أكابر الأمراء حتى مهد الملك

185656alsh3er

أراد بيبرس أن يضفي إلى حكمه نوعا من الزعامة و النفوذ على البلاد الإسلامية و لكي يمنح دولته الفتية نوعا من الشرعية عمد إلى إحياء الخلافة العباسية في القاهرة ليقيلها من الانتكاسة التي أصابتها في بغداد على يد المغول و عليه فقد أرسل في طلب أحد أبناء البيت العباسي فوصل إلى القاهرة “أبو القاسم أحمد بن الظاهر بامر الله” في رجب 659 هـ/يونيو 1261 م حيث قوبل بالتكريم و الاحترام و بعدها بأيام عقد السلطان بيبرس مجلسا عاما بالديوان الكبير بالقلعة و استدعى كل أعيان البلد ثم قام السلطان أمام الجميع فبايع الخليفة على العمل بكتاب الله و سنة رسوله و على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و على الجهاد في سبيل الله فتبعه الجميع بالمبايعة و لقب الخليفة المستنصر و قد شهد عهده نهضة معمارية و تعليمية كبيرة حيث عمل على إنشاء العديد من المدارس في مصر و دمشق و منها المدرسة الظاهرية في دمشق التي بنيت عام 676 هجرية و ضمت المدارس مكتبات ضخمة كالمكتبة الظاهرية كما أنشأ عام 665 هجرية جامعا عرف باسمه إلى اليوم في مدينة القاهرة و هو جامع الظاهر بيبرس و الذي ما زال قائماً إلي اليوم و تعرف المنطقة حوله باسم حي الظاهر و أنشأ مسجدا آخر أيضا باسمه في مدينة قليوب و لا بزال المسجد موجودًا حتى الآن و يسمى الميدان الموجود فيه “ميدان بيبرس” بمدينة قليوب البلد كما عمل بيبرس على إنشاء الجسور و القناطر و الأسوار و حفر الترع و الخلجان و أنشأ مقياسا للنيل و قام بأعمال أخرى كثيرة مثل تنظيم البريد فخصص له الخيل و بنى كثيرا من العمائر

images

اهتم بيبرس بتجديد الجامع الأزهر فأعاد للأزهر رونقه و قام بحملات من الترميم و التجميل حتى عاد له جماله و مكانته مرة أخرى و أعاد خطبة الجمعة و الدراسة إلى الجامع الأزهر بعد أن هجر طويلا و نصب أربعة قضاة شرعيين واحدا من كل مذهب من مذاهب السنة الأربعة بعد أن كان القضاء مقتصرا على قاضي قضاة شافعي و في خارج مصر قام بعدد من الإصلاحات في الحرم النبوي بالمدينة المنورة و قام بتجديد مسجد إبراهيم في الخليل وزار بيت المقدس يوم الجمعة 17 جمادى الآخرة 661 هـ / 1262 م فقام بتجديد ماقد تهدم من قبة الصخرة و جدد قبة السلسلة و زخرفها و رتب برسم مصالح المسجد في كل سنة خمسة آلاف درهم و أنشأ بها خانا للسبيل نقل بابه من دهليز كان للخلفاء المصريين بالقاهرة و قد زار بيت المقدس في شعبان سنة 664 هـ / 1265 م و أجرى عليها تعميرات إضافية و عمل على إقامة دار للعدل للفصل في القضايا و النظر في المظالم أيضا قام بتوسعة مسجد الصحابي خالد ابن الوليد في مدينة حمص

queen-nazli-family-2

إن العداء بين المماليك و المغول لم ينقطع منذ وقعة عين جالوت فبعد وفاة بدر الدين لؤلؤ والي الموصل و حليف المغول في شعبان 656 / أغسطس 1258 م خلفه ابنه الملك الصالح إسماعيل الذي هادن المغول أول الأمر ثم انقلب عليهم و طردهم من الموصل و ارسل أخاه إلى مصر لطلب المساعدة من بيبرس ثم ذهب بنفسه و نسق معه فارسل “هولاكو” إليه جيشا تعداده عشرة آلاف فارس بقيادة صندغون فحاصره فيها و ما أن علم بيبرس بذلك حتى أرسل اليه نجدة تعدادها سبعمائة فارس وأمر بخروج العساكر من دمشق و حلب فخرج صاحب حلب و هو شمس الدين البرلي في سبعمائة فارس من الغز و أربعمائة من التركمان و مئة من العرب

إحباط-سرقة-قصر-محمد-على-بشبرا-الخيمة-300

وقد ظل مغول فارس يتحينون الفرصة للحرب و خاصة “اباقا ابن هولاكو” الذي واصل سياسة ابيه العدائية تجاه المسلمين فيما اتسمت سياسته مع الصليبيين بالود لكن الظاهر بيبرس وقف لهم دائماً بالمرصاد و استطاع أن يكسر شوكتهم مما دعا ابغا إلى طلب الصلح و لجأ في طلبه إلى الترغيب و التهديد لكن بيبرس كان يعلم جيداً أن الصلح مع المغول امر لايرضي المسلمين و ذلك بسبب ما فعلوه في بغداد. و رغم ذلك واصل المغول هجماتهم على الساجور لكن بيبرس ردهم خائبين ثم ما لبثوا أن هاجموا عين تاب لكن بيبرس هزمهم و هكذا قام بكسر التتار في أخرها عندما تحالف المغول مع سلاجقة الروم في آسيا الصغرى فأعد حملة كبيرة سنة 675 هـ لغزو سلاجقة الروم و في موقعة أبلستين حلت الهزيمة الساحقة بالمغول و حلفائهم من السلاجقة و قد فر زعيم السلاجقة بعد أن قتل عدد كبير من رجالة ورجال المغول ثم دخل بيبرس قيسارية، ودعي له على منابرها وقدم له أمراء السلاجقة فروض الولاء و الطاعة و قيل ان أبغا لما سمع بما فعله بيبرس برجاله في موقعة ابلستين أسرع إلى هناك ليشتد غضباً بما وجده من الآف القتلى من المغول في حين لم ير أحدا من السلاجقة مما جعلة يأمر بقتل ما يزيد على مائتي ألف من المسلمين السلاجقة

185656alsh3er

و قد حقق الظاهر بيبرس انتصارات عديدة على المغول في موقعة البيرة و حران و رد هجمات المغول المتتابعة على بلاده إلى أن قضى عليهم عند بلدة أبلستين و ذلك في عام 675 هـ و بذلك حقق بيبرس ما كان يبتغيه من تأمين لجبهته الخارجية و حدود دولته و قد دام حكمه حوالي سبعة عشر عاماً

البهو_الداخلي_للقصر

 

توفي الظاهر بيبرس يوم الخميس 27 محرم من عام 676 هجرية  2 مايو 1277 ميلادية و دفن في المكتبة الظاهرية في دمشق تولى من بعده أكبر أولاده ناصر الدين الحكم إلا أن أولاد بيبرس لم يدم لهم الحكم طويلاً ثم تولى الحكم المنصور قلاوون

queen-nazli-family-2

رأيك يهمنا لذلك اترك تعليق

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله