الظاهر سيف الدين برقوق أعظم ملوك الشراكسة بلا منازع

 

برقوق بن أنس بن عبد الله الشركسي ، وقد سمي برقوق لنتوء في عينيه. يصفه صاحب (شذرات الذهب) بأنه: ((كان أعظم ملوك الشراكسة بلا منازع ، بل المتعصب يقول أنه أعظم ملوك الترك قاطبة )).

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المؤرخين القدماء كانوا في كثير من الأحيان لا يميزون بين الشركس والترك ، قال المقريزي مترجماً الظاهر برقوق مُنشئ الدولة البرجية الشركسية : (( يُجل أهل الخير ومن ينسب إلى الصلاح ، وكان يقوم للفقهاء والصلحاء إذا دخل أحد منهم عليه _ ولم يكن يُعهد ذلك من ملوك مصر قبله _ وتنكر للفقهاء في سلطنته الثانية من أجل أنهم أفتوا بقتله ، فلم يترك إكرامهم قط مع شدة حنقه عليهم ، وكان كثير الصدقات.
يمكن القول أن السلطان برقوق قد تمكن من تثبيت دعائم دولة البرجيين الشراكسة بعد قضائه على العصبية التركية، وحدَّ من نفوذ العربان وواجه كل هذه الحروب والفتن بشجاعة وقوة.
على أن هذه الفتن والحروب لم تشغل السلطان برقوق في إصلاحاته الداخلية الكثيرة التي صار لها أكبر الأثر في تدعيم كيان دولته الشركسية في مصر وبلاد الشام والحجاز وغيرها إلى عام 1517م وما بعدها، ومن هذه الإصلاحات إبطاله الكثير من المكوس التي كانت عبئاً كبيراً على الناس وأقام جسراً على النيل بين جزيرة أروى ( الزمالك ) وجزيرة الروضة من طرفها البحري ، هذا الجسر الذي عجز عن إقامته كثير من السلاطين السابقين وعهد السلطان برقوق لإقامة هذا الجسر إلى الأمير جركس الخليلي أحد قواده المخلصين ، وأنشأ أيضاً جسراً على ضفة نهر الأردن بالغور بطول مائة وعشرون ذراعاً بعرض عشرين ذراعاً،
وأصلح خزائن السلاح بثغر الإسكندرية وسور مدينة دمنهور ليقيها من هجمات البدو، وعمر الجبال الشرقية بالفيوم بالناس ليقيها من هجمات البدو ، عمّر زاوية البرزخ بدمياط، أنشأ قناة العروب بالقدس، بنى بركة بطريق الحجاز إلى الحج، جدد القناة التي تحمل ماء النيل إلى قلعة الجبل وأصلح الميدان تحت القلعة وزرعها .
بنى صهريجاً للماء. وأنشأ مكتباً يقرأ فيه أيتام المسلمين القرآن الكريم بقلعة الجبل وجعل عليها وقفاً. أقام طاحونة بالقلعة سبيلاً تجاه باب بيت الضيافة وأمام القلعة، واهتم السلطان بالعلم إذ افتتح مدرسته التي بناها بين القصرين أثناء سلطنته الأولى، واستقدم لها عدداً من العلماء من كثير من أنحاء العالم العربي ورتب لها صوفية بعد العصر كل يوم وجعل بها سبعة دروس قام بتدريسها علماء المذاهب الأربعة، ودرساً للتفسير ودرساً للحديث، وآخر للقراءات وأجرى على جميع مدرسيها وطلابها في كل يوم الخبز واللحم، ورتب لهم مخصصات شهرية من الحلوى والزيت والصابون والدراهم، ووقف على ذلك الأوقاف الجليلة من الأراضي والدور ونحوها.
مسجد السلطان برقوق
حاول السلطان برقوق ترسيخ مبدأ وراثة العرش الذي عرف في بيت قلاوون ولكن هذا المبدأ لم يعترف به الأمراء الشراكسة فيما بعد وفاته. ورغم ذلك خلفه ابنه في 20 يونيه سنة 1399 م ولقب بالناصر واستمر في حكمه حتى يناير سنة 1412 م نُصب خلالها لمدة تسعة وستين يوماً أخوه عبد العزيز. كان الشراكسة شديدي الغيرة على طبقتهم يبتغون أن يحتفظوا بها نقية صافية ، فعهدوا في تعزيز طبقتهم هذه بالعناصر الجديدة إلى عمال مخصوصين لإحضار الشراكسة من بلادهم الأصلية ومعنى هذا أن دولة (المماليك) الثانية اصطبغت بصبغة جديدة هي الصبغة الشركسية،
 
وهي التي أصبحت أهم الصفات التي ميزت دولتهم البرجية الشركسية عن دولة المماليك الأولى التي سُميت بالبحرية، والتي كان فيها عدة سلاطين شراكسة أيضاً وقد كان في الدولة البحرية للشراكسة باع كبير حيث ظهر فيهم قادة عسكريين كبار أمثال (قرا سنقر وأقوش الأفرم وزردكاش والأمير غرلو وجركس الخليلي ومنجك اليوسفي وأيتمش البجّاسي وقرا دمرداش والأمير إينال اليوسفي الجركسي وقردم الحسني والأمير سيف الدين كرجى والأمير طقجي وغيرهم كثير) سوى السلاطين الشراكسة المعروفين ، وبلغ عدد الشراكسة في زمن قلاوون خمسة آلاف وسبع مئة.
وفي الدولة الثانية كان السلطان برقوق هو البادئ بهذا الاتجاه، ذلك أنه منذ أن جلب والده وأقاربه سنة 782 هـ الموافق 1380م ، وهو يوالي جلب الشراكسة من بلادهم وتشجيع الناس على جلبهم. وعلى حين بلغ عدد الشراكسة في بداية سلطنة برقوق نحو ألفين، ارتفع هذا العدد في نهاية حكمه إلى خمسة آلاف شركسي من بين عدد مماليكه الذين قدرهم العيني بنحو عشرة آلاف مملوك وأصبح الشراكسة الطبقة الأرستقراطية بين باقي العناصر ورأس النظام الإقطاعي، وشغلوا الوظائف الكبرى حتى صار أكثر الأمراء والجند من الشراكسة وهؤلاء بدورهم شجعوا الهجرة من بلادهم الأصلية إلى السلطنة الشركسية.
مسكوكات الظاهر برقوق، سكت في الإسكندرية
على أن تعصب السلطان برقوق لكل ما هو شركسي وما نتج عن هذا التعصب من آثار بعيدة وقريبة ، تعرَّض لنقد شديد من بعض المؤرخين المعاصرين الذين تشدَّقوا ظلماً بمدح أيام دولة المماليك الأولى (رغم أن الأمراء الشراكسة في هذه الفترة أيضاً كانوا المبرزين في حروبهم ضد أعداء الإسلام).
سنة 1389 شهدت تمرد اثنين من حكام المماليك من أقصى شمال السلطنة, منتاش, حاكم ملاطية، و يلبغا الناصري, حاكم حلب (وهو غير يلبغا العمري). فبعد أن أمـّنا سوريا تقدما إلى القاهرة. حاول برقوق الهرب, إلا أنه تم إلقاء القبض عليه واُرسل إلى الكرك.
في خلال ذلك, الحاكمان ردا الصالح زين الدين حجي إلى العرش, وقد اتخذ تلك المرة لقباً ملكياً جديداً، ألا وهو “المنصور”. نشب القتال بين فرق المماليك في القاهرة, وانتصر مؤيدو برقوق على المتمردين. ثم عاد برقوق إلى القاهرة في فبراير 1390.
وإذا عدنا إلى عهد السلطان برقوق نرى أن الأخطار التي هددت البلاد من النوبة والحبشة مما اضطره إلى استحداث ولاية أسوان ، ونظراً للأخطار الخارجية التي أحدقت بالسلطنة المملوكية الشركسية في بدايتها جعل السلطان برقوق نواب الثغور والبلاد الواقعة على الحدود من مقدمي الأُلوف بعد أن كانوا في الدولة الأولى في رتبة أقل. ومن هذه النيابات :
1_ نيابة عينتاب ( في تركيا حالياً ).2_ درنده . 3_ شيزر . 4_ الابلستين . 5_ إياس . 6_ طرسوس والبيره(3).
نلاحظ اقتران قيام دولة البرجية على يد السلطان برقوق مع ظهور نفوذ هذه الدولة بين الدول التي تاخمت حدودها الشرقية ، فأخذت هذه الدول تخطب ود السلطان برقوق رغبة في التمتع بحمايته وطلب معونته لاسيما حين بدأ التتار يكتسحون وسط آسيا وغربيها .
ولم يتأخر السلطان برقوق في أن يجعل من دولته الشركسية حصناً وملاذاً لجيرانه ، حتى أن أصحاب سنجار وقيصرية وتكريت حين كتبوا سنة 885 هجري _ 1383م إلى السلطان برقوق برغبتهم في إعلان تبعيتهم له وخطبوا خطبة الجمعة باسم السلطان برقوق ، سارع إلى إعلان موافقته على مطالبهم وكتب لكل منهم تقليداً بنيابة السلطنة في بلده أي أن برقوق وسّع في ملكه منذ البداية ، ووحد الأرض العربية كذلك ، والواقع أن خطر التتار في الشرق الأوسط وضَحَ في هذه السنة حيث ظهر تيمورلنك المنغولي الذي استولى على بلاد ما وراء النهر وجعل سمرقند عاصمة له ،
وما لبث أن احتل خراسان وهرات وطبرستان وجرجان ثم زحف إلى مدينة تبريز واستولى عليها سنة 788هجري _1386م وطرد حاكمها قرا محمد التركماني . ومن هناك أرسل تيمورلنك إلى مجد الدين عيسى حاكم ماردين يستدعيه ، غير أن حاكم ماردين الذي احتمى بالسلطنة الشركسية وأرسل إلى تيمورلنك يعتذر عن الحضور قبل أخذ رأي السلطان برقوق(1) ولم يكن أمام هذه الدول سوى أن تستجير بالسلطان برقوق بدليل أن تيمورلنك حين ترك تبريز أواخر سنة 790 هجري _1388م أسرع قرا محمد التركماني واستعاد بلاده ، ثم أرسل إلى السلطان برقوق يخبره بعودته إلى عرشه ،
وأنه ضرب في تبريز السكة (العملة) باسم السلطان برقوق ، ودعا له فيها على منابره ،وسأله أن يكون نائباً بها عنه ، وعندما استعدَّ مجد الدين عيسى صاحب ماردين ليبعث برسله إلى برقوق ينبئه بما جرى بينه وبين تيمورلنك ، عاد تيمورلنك سنة 795هجري _1393م فجأة وهاجم بغداد ، فازداد خوف مجد الدين عيسى ، وأسرع في إرسال الرسل إلى السلطان برقوق طلباً لعونه السريع وبيّن مجد الدين عيسى في رسالة إلى السلطان برقوق كيف أن تيمورلنك خدع السلطان أحمد بن أويس الجلايري حاكم بغداد بعد أن اكتسح بلاد فارس وقتل حاكمها شاه منصور في مايو سنة 1393م ،
ثم بعث برأسه إلى بغداد ، كما بعث بالخلع والسكة إلى أحمد بن أويس وطمأنه بأنه لن يغير على بلاده ، وأنه لا يطلب سوى ضرب السكة (العملة) في بغداد باسمه . فلبس أحمد بن أويس الخلعة وطاف بها شوارع بغداد ونفَّذ مطالب تيمورلنك ، ولم يشعر أحمد بن أويس إلا وتيمورلنك يقترب من بغداد ومن غربيِّها وهي الناحية التي لم يكن يُنتظر أن يقوم تيمورلنك بهجومه منها ، فأسرع السلطان أحمد بن أويس بقطع الجسر عن هذه الناحية ورحل من بغداد بأمواله وأولاده وقت السَحَر فتقدم تيمورلنك بجحافله لحصار بغداد سنة 1393م ودام الحصار شهرين ،
قُتل في أثنائها أكثر سكانها وخُرب أسوارها وجوامعها وأسواقها ومن بغداد أرسل تيمورلنك ابنه ميران شاه في إثر ابن أويس فأدركه بالحلّة ونهب ماله وسبى بعض حريمه وأسر وقتل كثيراً من أصحابه .وتمكن أحمد بن أويس من النجاة بنفسه في نحو ثلاثمائة فارس وهم شبه عراة، واتجه غرباً لائذاً بالسلطان الشركسي برقوق وسقطت بغداد بيد تيمورلنك.
وحرص برقوق على علاقات الود مع اليمن ما دام ملك اليمن يعمل على ضبط التجارة في ميناء عدن التي أصبحت مركزاً هاماً من مراكز التجارة بين الشرق والغرب .
وحرص السلطان برقوق أيضاً على العلاقات الحسنة مع الحبشة ، غير أن ملك الحبشة داوود بن سيف أرعد (سنة 1381_1411م) انتهز فرصة الاضطرابات التي قامت في مصر من أجل السلطة وهاجم أسوان في أواخر 1381م وضرب بعض نواحيها فأرسل أهلها يستصرخون السلطان برقوق الذي أسرع بعلاج المشكلة بالطرق الودية ، ونشطت التجارة في نفائس البلدين بسبب تأمين برقوق لطرق التجارة في البحر الأحمر غير أن داوود عاد في سنة 1402م وهاجم السلطنات الإسلامية في عدل وزيلع وقتل من أهلها المسلمين عدداً كبيراً ، .
لكن تحسن الوضع فيما بعد وساعد الشراكسة الحبشة التي ظلت حتى ذلك الوقت تحارب بالحراب ، إذ أن الشراكسة علّموا الجيش الحبشي فنون الفروسية من رمي النشاب والرمح والضرب بالسيف ولعل أهم حدث في تاريخ الحبشة الحربي هو ما أسهم به المماليك الشراكسة في تعليم الأحباش استخدام النفط في الحروب ويبدو أن هذا العمل الذي قام به فخر الدولة لملك الحبشة شجع على استمرار الاتصال بالحضارة المملوكية الشركسية فاستقدم عدداً من الشراكسة ممن عملوا في وظائف زردكاش بمصر .

عهد الظاهر برقوق في أواخر حياته بالسلطنة إلى ولده الناصر فرج، ثم مرض أياما وتوفي بقلعة الجبل رحمه الله تعالى ليلة الجمعة منتصف شوال سنة 801هـ / 1398م. وقد استمرت دولة الشراكسة من عهده إلى سنة 922هـ وعدة ملوكها 23 ملكا، وكانت لهم مصر والشام.

ومما قيل في رثائه وعهده للناصر فرج:

مَضَى الظَّاهِرُ السُّلْطَانُ أَكْرَمُ مَالِكٍ *** إِلَى رَبِّهِ يَرْقَى إِلَى الخُلْدِ فِي الدَّرَجْ
وقَالُوا سَتَأْتِي شِدَّةٌ بَعْدَ مَوْتِـــــهِ  *** فَــأَكْذَبَهُمْ رَبِّــي وَمَا جَا سِوى فَرَجْ

وكانت مدة حكم برقوق بالديار المصرية أتابكا وسلطانا قرابة 21 عاما. فمنذ صار أتابكًا إلى أن آلت السلطنة إليه 4 سنين و9 أشهر و10 أيام، ومنذ تسلطن إلى أن مات 16 سنة و4 أشهر و27 يومًا خلع منها بالملك المنصور حاجي بيد الناصري 8 أشهر و16 يومًا.

وخلف الملك الظاهر برقوق من الأولاد ثلاثة ذكور وثلاث بنات؛ فالذكور: الملك الناصر فرج (تسلطن من بعده بعهد منه إليه)، والملك المنصور عبد العزيز، وإبراهيم. والبنات: خوند سارة (زوجة الأمير نوروز الحافظي) وخوند بيرم (زوجة الأمير إينال باي بن قجماس) وخوند زينب (زوجة المؤيد شيخ ثم الأتابك قجق).

وَخلف برقوق من الذَّهَب الْعين ألفي ألف دِينَار وَأَرْبَعمِائَة ألف دِينَار، وَمن الْخَيل المسومة وَالْبِغَال الفارهة سِتَّة آلَاف، وَمن الْجمال خَمْسَة آلَاف، وَكَانَ عليق دوابه كل شهر أحد عشر ألف أردب شعير وفول.

رأيك يهمنا لذلك اترك تعليق

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله