أبو علي حسن سلامة الأمير الأحمر قاهر الموساد

 

أمضي جهاز الموساد عشر سنين، وهو يطارد علي حسن سلامة بأوامر من غولدا‏ مائيروالتي أطلقت عليه  لقب “الأمير الأحمر” فأصبح هذا اللقب يميزه لدى المراقبين السياسيين والإعلاميين للحركة الوطنية الفلسطينية أيضا.

ولد علي حسن سلامه “أبو حسن” في العراق بتاريخ 1/4/1941م حيث سبق لوالده الشيخ حسن سلامه أحد القيادات الفلسطينية التي برزت في قيادة النضال ضد العصابات الصهيونية اليهودية للفترة من 1936 – 1948م، واضطر لمغادرة فلسطين عام 1941م بسبب مطاردة القوات البريطانية له فلجأ إلى العراق واستقر هناك للتدريب والانخراط في الجيش العراقي حيث ولد ابنه “علي” خلال تلك الفترة، وفي عام 1945م انتقل إلى لبنان وعاد إلى فلسطين حيث استشهد في معركة رأس العين بتاريخ 1/6/1948م، وبعد قيام الثورة المصرية عام 1952م انتقلت أسرته إلى مصر.

3910082529

أنجبت زوجة علي حسن سلامه مولودها الأول في القاهرة بتاريخ 1/6/1966م في الذكرى الثامنة عشرة لاستشهاد جده المجاهد الشيخ حسن سلامه، وهي مناسبة مباركة أثارت هياجاً عاطفياً عظيماً في نفوس الأسرة، فموجة الفرح الغامر بقدوم المولود الجديد لم تمنع الجميع من ذرف الدموع لهذا التوافق العجيب بين ذكرى استشهاد الجد ويوم مولد الحفيد، وكأن روح المجاهد الشهيد الشيخ حسن سلامه قد انبعثت من جديد في ذلك اليوم. يقول أبو حسن سلامة: “هذا الإرث النضالي الذي ورثه عن والده قد سبب له مشاكل شخصية لأنه نشأ في عائلة كانت تعتبر النضال جزءا من تراثها يحمله جيلا بعد جيل، ويضيف حتى وأنا طفل اتبعت نمطاً معيناً من السلوك، كانوا يذكروني باستمرار أنني ابن حسن سلامه وعلى أن أكون قدر المسؤولية”.

18447551_1963632433866933_170044823627938691_n
مع والده المناضل الفلسطيني الشهيد حسن سلامة

انتقل أبو حسن إلى القاهرة لإكمال تعليمه هناك، وفي عام 1964م انتقل إلى الكويت حيث التحق هناك بحركة فتح عن طريق خالد الحسن “أبو السعيد” وأدار دائرة التنظيم الشعبي في مكتب (م.ت.ف)، ثم اختير عام 1968م ضمن مجموعة من عشرة أشخاص لدورة أمنية في القاهرة، وبعد عودته عمل نائبا لمفوض الرصد المركزي لحركة فتح صلاح خلف واستقر في العاصمة الأردنية ممارسا لمهماته النضالية حتى خرج إثر معارك أيلول برفقة القائد ياسر عرفات مع اللجنة العربية العليا التي كانت مكلفة بالوساطة بين الأردن والفدائيين، ومنذ ذلك الخروج أصبح ظلا لأبي عمار ومكلفاً بحمايته، وهو أول من تم تعيينه قائدا لقوات الـ17.

غغغغيي

ومنذ ذلك التاريخ كان علي حسن سلامه الأقرب إلى ياسر عرفات وعنه يقول “أبو حسن”: “لأبي عمار “الختيار” عندي قدسية معينة، وأنا كمقاتل فلسطيني قد أستطيع المزايدة على أي مقاتل آخر ولكني لا أستطيع أن أزايد على “أبي عمار” أنه لا يجد ولو برهة يتمتع فيها بحلاوة العيش، هذا الرجل يجد متعته وسعادته عندما يحقق انتصاراً سياسياً أو عسكرياً للقضية، إن “أبو عمار” إنسان لا يرتاح ولا يشعر بالاستقرار، ونعرفه على حقيقته عندما نكون في مأزق، ندرك ما يعاني من القلق مع الصبر والإيمان والشجاعة في مواجهة الأحداث، ونعرفه عندما نخرج من المأزق وكيف يشعر بالفرح والاعتزاز، وهو قائد كبير يقاتل مثل أي عنصر في أخطر المعارك وأدقها، بالرغم أنه يستطيع أن يكون في مركز القيادة لأن القائد يجب أن يكون دائماً بعيداً عن الخطر، إلا أن “أبا عمار” يرفض ذلك كونه يعيش مع المقاتلين في احلك اللحظات، أما رفقتي له فقد بدأت في معارك أيلول سنة 1970م حين كنا سبعين مقاتلاً معه، وبقينا تسعة فقط، وهكذا فقد كانت رفقتي له هي رفقة حياة أو موت، إن “أبو عمار” هو المحارب الوحيد الذي لا يعرف استراحة المحارب”.

12390838_740991349334972_2858511409878447939_n

 

 

استقر الأمير الأحمر في بيروت عام 1970م وتولى قيادة العمليات الخاصة ضد جهاز المخابرات الصهيونية في العالم والتي من أهمها العملية التي أدارها ونفذها رجاله في بروكسل وقامو بتصفية ضابط الموساد (زودامك أوفير)، وكذلك كان المسؤول عن إرسال الطرود الناسفة من أمستردام إلى العديد من ضباط الموساد وعملائها في العواصم الأوروبية رداً على استهداف الموساد بعض القيادات الفلسطينية بطرود ناسفة، وكان أهم من قتل من ضباط الموساد بهذه الطرود ضابط الموساد المسؤول عن ساحة بريطانيا (أمير شيشوري).

ali-2

أبو حسن سلامة والاتصالات الفلسطينية الأمريكية:

رافق أبو حسن سلامه الرئيس عرفات خلال زيارته التاريخية للأمم المتحدة عام 1974م، وخلال المباحثات الأمريكية – الفلسطينية التي جرت بداياتها في فندق “والدروف استوريا” وتم بموجبها التنسيق الأمني المشترك، أوكل الرئيس عرفات إدارة هذه المهمة إليه، حيث ترجم هذا التعاون الأمني خلال الحرب الأهلية عامي (1975 – 1976م) ثم دعي بعدها “أبو حسن” إلى زيارة الولايات المتحدة الأمريكية حيث اجتمع في واشنطن مع كبار قادة أجهزة المخابرات سعياً وراء تأكيد الاعتراف الأمريكي بمنظمة التحرير، أما فيما يتعلق بدوافع ياسر عرفات لتكليفه بهذه المهمة التي تعتبر في غاية الأهمية فكانت لتكريس الاعتراف الدولي والعالمي بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، في حين اعتبرت إسرائيل القائد الشهيد أبو حسن سلامه منذ تكليفه بالاتصالات مع الإدارة الأمريكية قد أصبح أكثر خطورة عليها، فليس من المصلحة الإسرائيلية أن يكون هناك أي تقارب بين (م.ت.ف) والإدارة الأمريكية، لذا أصبح “أبو حسن” الهدف الأكبر أهمية لإسرائيل والذي يجب اصطياده(2).

1198

وطبقا للمصادر الأمريكية فإن ياسر عرفات انتدب علي حسن سلامه في حين انتدب البيت الأبيض أكبر خبير في الشرق الأوسط وهو “بوب آيمز” الذي كان يعمل في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وأن تكون قناة الوساطة بين بوب آيمز وعلي حسن سلامه و مصطفى الزين الذي كان ناشطا في منظمة الطلبة العرب في أمريكا(3).

ويذكر أن علي حسن سلامة (أبو حسن) قام بزيارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من جورج بوش الأب الذي كان آنذاك مديراً للمخابرات المركزية الأمريكية، الأمر الذي أثار غضب إسرائيل بانكشاف أكاذيبها على الإدارة الأمريكية بشأن الوضع الفلسطيني، لذا قررت الانتقام من (بوب) باغتياله عن طرق تفجير السفارة الأمريكية في بيروت يوم 18/4/1983م وللأسباب الآتية:

١- مسؤوليته عن فتح العلاقة مع البيت الأبيض وياسر عرفات منذ سنة 1975م.
٢- قيامه بترتيب الزيارة الرسمية لـعلي حسن سلامه إلى واشنطن خلال شهر (12/1976م) بدعوة من جورج بوش الأب الذي كان آنذاك مديرا للمخابرات المركزية الأمريكية([4]).

٣- إن روبرت ايمز هو الذي أعد للرئيس الأمريكي رونالد ريغان مبادرته للسلام في الشرق الأوسط عام 1983 والتي تسلمها عرفات قبل خروجه من بيروت، واعتبر مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل آنذاك تلك المبادرة بأنها (خنجر ضرب في قلبي).

٤- إن روبرت ايمز حصل على نسخة من شريط الفيديو الذي صورته شبكة (ABC) عن مذبحة صبرا وشاتيلا والذي يكشف دور القوات الإسرائيلية في تلك الجريمة الإنسانية البشعة، وقام بتسليم شريط الفيديو إلى مناحيم بيغن الذي اتخذ قراراً بوقف العمل السياسي منذ ذلك الحين كون الشريط يفضح وزير الدفاع في حينه أرئيل شارون ويشكل سابقة خطيرة لكتلة الليكود وجماعة اليمين الإسرائيلي، وبموجب ذلك فإن زعماء كتلة الليكود لم يغفروا لروبرت آيمز (بوب) ما فعله، وعليه فقد قتلوه بتفجير السفارة الأمريكية وقتلوا معه جميع مدراء محطات المخابرات المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط والذين كانوا في ذلك الحين متعاطفين مع (م.ت.ف).

ali-3

إرتبط إسم الأمير الأحمر أبو حسن بعملية ميونخ الأمر الذي نفاه ابو داوود في مذكراته، إلا أن غولدا مائير أصرت وأعطت أوامرها بقولها (إعثروا على هذا الوحش واقتلوه) كما جاء في توثيق (فيكتور أوستروفسكي).

كان الأمير الأحمر حذراً جداً وذو حس أمني عالي جداً وقد تمكن من النجاة من عدة محاولات لرصده واستهدافة مما أدى إلى متابعته من أعلى المستويات الصهيونية، حتى أنه لم يكن له أي صورة لا من خلال صحافة ولا أي طريق آخر وكان التعرف عليه بالغ الصعوبة.

من خلال عدة شهادات لصحافيين وباحثين أمنيين إسرائيليين، لم تخلُ من الإعجاب بالشخصية ونمط حياتها المترف، يوصف أبو حسن بأنه كان وسيماً وحاسماً بالأمور الأمنية، يجيد عدة لغات أوروبية بطلاقة، رياضي، يمارس السباحة والكاراتيه والفروسية، جاد وناضج بالعمل السياسي والعسكري. تزوج مرتين، في الأولى من الفلسطينية نشروان شريف منصور وفي الثانية من ملكة جمال الكون اللبنانية جورجينا رزق، وأقام علاقات مع عدة أجهزة أمنية غربية وكان صديقاً للأمريكيين.

الأمير الأحمر على رأس قائمة الإغتيال الصهيونية:

بدأت ملاحقة أبو حسن سلامة منذ عام 1971م وكان مما سهل على الموساد ملاحقته أنه للمرة الأولى بات له عنوان ثابت بعد أن تزوج من جورجينا رزق ملكة جمال الكون.

 

ali-4.jpg

1971

قال كريم بقردوني (زعيم مسيحي يميني من قادة حزب الكتائب) بأنه نقل تحذيراً من بشير الجميل للأمير الأحمر أبو حسنسلامة الذي كان خط الإتصال بين القائد ياسر عرفات والمليشيات المسيحية في لبنان، حول معلومات وصلت حديثاً لاغتياله، الأمر الذي أكده الأمير الأحمر لبقردوني بقوله مبتسماً عندي خبر والحامي الله لم يقدّم بشير الجميل تفاصيل عن العملية لبقردوني، ولكنه طلب منه تحذيره بقوله (فأبو حسن صاحبنا) كما قال الجميّل لبقردوني.

12573122_1053820047972898_8693414663231731294_n
مع آل الجميل

كذلك أيضاً وصل تحذير للقائد أبو سلامة عن مخطط لاغتياله من قبل (المكتب الثاني) وهو أحد أجهزة المخابرات اللبنانية، وقد عثر على قصاصة ورق بجيب الأمير الأحمر بعد استشهاده تفيد بذلك.

رصد تحركات الأمير الأحمر وبدء مخطط الاغتيال:

المصادر الصهيونية تفيد بأن أبو حسن أو الأمير الأحمر دوّخ ملاحقيه ونجا من أكثر من 10 محاولات اغتيال قبل أن تنجح الموساد في استهدافه عام 1979م بعد أن استعمل الموساد خطة واسعة جند فيها رسامة بريطانية تدعى (سيلفيا إيريكا روفائي)، تم تجنيدها لتعمل مع مؤسسات إجتماعية تعنى بجمع التبرعات للاجئين ورعاية الطفولة وتحت هذا الغطاء دخلت لبنان وخرجت أكثر من مرة وفي كل مرة كانت تحضر معها مبالغ تدفعها للجمعيات الخيرية للتغطية، وكانت مهمتها الأساسية هي استئجار شقة قرب سكن جورجينا رزق لتراقب تحركات الأمير الأحمر فسكنت في الطابق التاسع في عمارة قريبة جداً من سكن جورجينا رزق في شارع الفردان.

13495071_827857187315054_7749623858379747465_n

بعدأن رفعت عدة تقارير تفيد بأن مواعيد زيارة الشهيد أبو حسن سلامة لزوجته هي مواعيد ثابته ويسلك في طريق القدوم والمغادرة نفس الطرق قرر (رافي إيتان) المستشار الشخصي لمناحيم بيغن رئيس الوزراء الصهيوني أن يزور بيروت بنفسه ليطلع على التفاصيل.

زار إيتان بيروت منتحلاً شخصية تاجر يوناني وتمكن من رؤية سكن جورجينا رزق وتصويره وتصوير الشارع والمارة التي تسكن بها سيلفيا عميلة الموساد ثم عاد إلى تل أبيب وأرسل ثلاثة ضباط موساد متخفين كعرب، إستأجر أحدهم سيارة والثاني فخخها بالعبوة المتفجرة والثالث استلمها وأوقفها في المكان الذي ستنفجر فيه وتم تسليم سيلفيا جهاز التفجير وانسحب الثلاثة.

صدرت الأوامر العليا بتنفيذ عملية الإغتيال. (قالت رئيسة وزراء كيان إسرائيل غولدا مائير : اعثروا على هذا الوحش واقتلوهتم تلغيم سيارة من نوع “فولكس واغن” بعبوة تنفجر لاسلكياً ووضعت في الطريق الذي يسلكه الشهيد، وعند مرور موكب القائد أبو حسن سلامة المكون من سيارة شيفروليه وسيارتي رانج روفر انفجرت العبوة الناسفة واستشهد الأمير الأحمر فوراً.

100-thousand-fighters-in-Syria-11-700x300
الجاسوسة الإسرائيلية أمينة المفتي

في يناير من عام 1978م طلبت المخابرات الأمريكية من الموساد عدم التعرض للأمير الأحمر وتركه (ليرتاح فهو رجلنا) ليأتي رد الموساد وقحاً حسب المصادر الأمريكية: (إنكم تعلمون ما فعله بنا، وأنتم تعرفون قواعد لعبتنا جيداً، لقد تقرر مصيره، إن الرب يغفر، أما “إسرائيل” فلا)

12510466_952174784874259_4475889320794933352_n

بقي أن نقول أن الموساد وفي لهثه وراء اغتيال الأمير الأحمر اقترف خطأً سبب فضيحةً مدوية للموساد عندما اغتالوا المواطن المغربي (أحمد بوشكي) في مدينة ليهامر بالنورويج اعتقاداً منهم أنه الأمير الأحمر، مما نتج عنه كشف خلية الموساد واعتقال العملاء وبالطبع فشل العملية وسقوط ضحية مدنية وتوتر العلاقة بين النرويج وكيان الإحتلال
المغربي أحمد بوشيخي شبيه الأمير الأحمر أبو حسن سلامة أحد قادة منظمة فتح وايلول الأسود الفلسطينية،وقد اغتالته وحدة من الموساد الإسرائيلي في مدينة لليهامر الجبلية النرويجية سنة 1973 لاعتقادها انه سلامة.

دفن الشهيد أبو حسن سلامة في مقبرة الشهداء في العاصمة اللبنانية بيروت ، حيث شاركت القيادة الفلسطينية في مراسم الدفن وكان على رأسها الأخ / أبو عمار حيث حضر من اجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في دمشق للمشاركة في التشييع.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله